سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ١٨وقد أساء بنو إسرائيل للمرة الثّانية، فتفرع عليها ما قضى الله به في الكتاب -أيضا- من قتل وأسر وتدمير وتخريب على يدي عباد آخرين أولي بأس شديد، وهم الرّومانيون عندما تمرّد اليهود للخروج عليهم.
وقد لخّص الله تلك الوضعية العصيبة التي مروا عليها في نظم بديع تتابعت فيه لامات التّعليل: {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيراً).
فبدأ بمساءة الوجوه، بآثار الإذلال والقهر وهي الإذاية المعنوية الأليمة، وتشبيه دخول المسجد بالمرة الأولى يراد به دخول غزو وتدمير وتخريب، ويدلّ عليه قوله: {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيراً)، فهو تدمير شامل لعمران المدينة "أورشليم".
{عَسَى رَبُّكُمُ أَنْ يَّرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً):
وبعد النّقمة والتّأديب الإلهي ينفتح باب الأمل لعباده بالرّحمة فيأسو الجراح ويلمّ الشّعث وتعود العافية إلى جسم الأمة، غير أن القاعدة الاجتماعية لا تتخلف، والله غالب على أمره يعود بالنقمة والعذاب على المفسدين الطّغاة، وصدق أمير الشّعراء إذ قال:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وهكذا كلما عاد بنو إسرائيل إلى الإفساد في الأرض عاد الله عليهم بالخزي والنّكال، كما حدث لهم مع رسول الله بإجلائهم وضرب الجزية عليهم، وهم اليوم في قوة ومنعة بدولتهم "إسرائيل" وقد عادوا إلى الإفساد والطّغيان، والله من ورائهم محيط، لا تتخلف سنته: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا) (الإسراء:8). وإنَّ غدًا لناظره قريب.