نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الإسراء

الجزء ١٠ · صفحة ٢٦

وهذا العطف هو من قبيل عطف الخاصّ على العامّ، للدّلالة على أن من علم الله الشّامل لكلّ شيء علمه بعمل الإنسان خيره وشرّه و فق اختياره، وبحسب ما قدّره الله في ذلك لا ينفكّ عنه بحال، فهو مفصّل -أيضا- في علم الله لا يخفى منه شيء يشبه الضّبط والتّقييد، بالكتابة في قرطاس.

وقوله: {اَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ’ فِي عُنُقِهِ)، والإلزام جعل الشيء لازما له، وكونه في عنقه، لأن العرب كانت تضرب المثل لذلك بالشّيء الذي يوضع في العنق كالقلائد والأطواق، فيقولون: جعلت هذا في عنقك. واستعير الطّائر لعمل الإنسان؛ لأن العرب كانوا يزجرون الطّير بالسّعد أو النّحس، فأطلق الطّائر على حظ الإنسان من الخير أو الشّرّ. يقول الكنديّ في شأن قومه:

فإن زجروا بالنّحس طيرا تمرّ بي … زجرت لهم طيرا تمرّ بهم سعدا

{وَنُخْرِجُ لَهُ’ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً): والمقصود بالكتاب الصّحائف التي تضبط أعمال الإنسان في الدّنيا، و نشرها: إظهارها بكل ما فيها من تفاصيل ليوم الجزاء. قال تعالى في سورة التّكوير وهو يعدّد وقائع يوم القيامة: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) (10).

وحتى يكون الإنسان شهيدا على نفسه يقال له في ذلك الموقف: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)، والأمر بالقراءة أمر تسخير وإعذار لتحصل له بذلك معرفة ما ارتكبه من أعمال ليحاسب نفسه بنفسه، وذلك أقوى لإثبات الشّهادة، قال تعالى في تصوير ضبط الأعمال على الصّحائف: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ اِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق:16 - 18).

٢٬٨٧٥ / ٦٬٧٦٧