نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الإسراء

الجزء ١٠ · صفحة ٤٠

وقد ساق المحدثون حادثة في هذا الشّأن لملاحاة وقعت بين ولد وأبيه أمام رسول الله فروى البيهقي والطّبراني عن جابر قال: «جاء رجل إلى النّبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أخذ مالي، فقال النّبي: اذهب فأتني بأبيك -وقد أوحى الله لنبيئه أن الرّجل قال في نفسه شعرا-، فلما جاء الشّيخ قال له النّبي صلى الله عليه وسلم ما بال ابنك يشكوك؟، أتريد أن تأخذ ماله؟. قال: سله يا رسول الله، هل أنفقته إلا على عماته وخالاته أو على نفسي؟، ثم قال له النّبي: أخبرني عن شيء قلته في نفسك، فأنشد يقول:

غذوتك مولودا وعلتك يافعا … تعلّ بما أدنى إليك وتنهل

إذا ليلة ضاقتك بالسّقم لم أبت … لسقمك إلا ساهرا أتململ

كأن أنا المطروق دونك بالذي … طرقت به دوني فعيني تهمل

تخاف الرّدى نفسي عليك وإنها … لتعلم أن الموت وقت مؤجّل

فلما بلغت السّنّ والغاية التي … إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل

جعلت جزائي غلظة وفظاظة … كأنك أنت المنعم المتفضّل

فليتك إذ لم ترع حق أبوّتي … فعلت كما الجار المجاور يفعل

فأوليتني حق الجوار ولم تكن … عليّ بمال دون مالك تبخل

ثم بكى الرّجل، وحينئذ أخذ الرّسول بتلابيب الولد وقال له: «أنت ومالك لأبيك».(1)

لم يتعرض التّوجيه الإلهي في الآية الكريمة إلى وضعية الوالدين في حالة شبابهما وقوّتهما، لأن ذلك لا يحتاج إلى توصية وإرشاد، بل الحاجة تدعو إلى الإرشاد والتّذكير إذا أصبحا في وضعية الضّعف والعجز، فإذا تأكد برّهما والإحسان إليهما في كل مراحل حياتهما، فإن ذلك هو أوكد عند شيخوختهما وضعفهما، ولذلك فصّلت الآية منهجية ذلك البرّ والإحسان.

(1) 1 - رواه الطبراني من حديث جابر بن عبد الله، المعجم الأوسط رقم 6758، وفي المعجم الصغير رقم 944. وقال: لم يرو هذا الحديث بهذا اللفظ والشعر عن المنكدر بن محمد بن المنكدر إلا عبد الله بن نافع، تفرد به عبيد بن خلصة.

٢٬٨٨٩ / ٦٬٧٦٧