سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ٤٤في الإجابة على هذا السّؤال يقول الشّيخ أبو اليقظان إبراهيم في "سلّم الاستقامة" يقول: "إن توبته من ذلك هي: أن يستغفر ربّه في ما تقدم، ويندم على ما فرّط فيه من برّهما، وقصّر في أداء واجبهما عليه وقد أتى رجل إلى بعض الصّحابة، فسأله عن مثل هذا السّؤال فقال: "أنظر إن كان لأمّك أخت فبرّها أو أمّها فبرّها، وقد علمت أن الأخ الأكبر بمنزلة الأب عند موته، وكذلك العمّ بعده فبرّ أحدهما برٌّ للأب، ومن البرّ بعد الموت أداء ما عليهما من ديون وتنفيذ وصاياهما والصّدقات عليهما، والإحسان إلى أصدقائهما، وكف شتائم النّاس عنهما إلخ. وأمره بعد ذلك إلى الله، إن علم منه إخلاص التّوبة فإنه غفور رحيم". انتهى.
قلت: ويؤيّده قول الله تعالى بعد ذلك: {رَّبُّكُمُ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمُ’ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ’ كَانَ لِلاَوَّابِينَ غَفُوراً).
تغيّر أسلوب الخطاب من المفرد إلى الجمع في هذا التّذييل المناسب للأمر بالإحسان إلى الوالدين، لأن المخاطبين -وهم جميع النّاس- يختلفون في القيام بحقوق الوالدين بين متلزم بها محافظ عليها أو مقصّر ومفرّط عن قصد أو غفلة. والله أعلم بتلك الأحوال كلها إذ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور.
والتّعبير بـ"إن" الشّرطية في كون الصّلاح يدلّ على أنه قد يكون كاملا وقد يكون مشوبا بالتّقصير، ولذلك أعقبه تعالى بقوله: {فَإِنَّهُ’ كَانَ لِلاَوَّابِينَ غَفُورًا)، بصيغة المبالغة لفعل "آب" بمعنى الرّجوع إلى الله بالتّوبة عند التّقصير وبملازمة ذكر الله للمحافظة على امتثال أمره، وفي الحالتين لا يفتقد الصّلاح، وبالتّالي لا تمتنع المغفرة والرّحمة من الله، وفي الآية من التّحذير والتّضييق ما يبقي المسلم في مراقبة دائمة في معاملته لوالديه.