سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ٩٥والمعنى: أخبرني لماذا فضلته عليّ؟. وجمع في: {أَرَآيْتَكَ) بين التّاء والكاف للخطاب ليحمل معنى التّأكيد، قال ذلك إبليس على وجه التّعجيب والإنكار، ولم ينتظر الإجابة من الله. بل استعجله الغيظ فقال: {لَئِنَ اَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً)، فقد طلب أن يؤخّر الله أجله، لأنه يعلم أن لكل نفس أجلا، وشاءت الحكمة الإلهية أن يصادف ذلك الطّلب مراد الله منه في أن يكون مصدر فتنة وإغواء لذرية آدم إلى يوم القيامة.
وقد أقسم أنه سيحكم فيهم بالإغواء ويسيّرهم كيفما شاء كما يسيّر الفرس باللّجام، فلا ينجو منهم إلا القليل، وهم عباد الله الذي يحصّنهم بالإيمان والتّقوى، فأجابه الله إلى ما طلبه من النّظرة فقال: {قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءً مَّوْفُوراً، وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الاَمْوَالِ وَالاَوْلاَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً).
ليس المراد من قوله تعالى لإبليس: {اذْهَبْ)، ليس المراد الانصراف بل هو للتّهديد والطّرد، فرّع عليه قوله: {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءً مَّوْفُوراً)، أي: أنت ومن وقع في شراكك من بني آدم، فإن جزاءكم نار جهنم جزاء وافيا لا نقص فيه.
ثم تهدّده تعالى بأن يسلّط على أتباعه كل ما يملكه من وسائل الإغواء والاستحواذ على القلوب والمشاعر، فجاء التّعبير في صورة معركة صاخبة تعلو فيها الأصوات، وجلبة الخيل والأقدام، مما يرهب الخصم ويوقعه في اضطراب وحيرة فيسهل التّغلّب عليه وقهره. فجوّ المعركة ينبني على أن لإبليس عدّته وأعوانه الكثر من شياطين الإنس والجنّ، ومن وسائل الإضلال والإفتان.