نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الإسراء

الجزء ١٠ · صفحة ١٢٧

وبما أن ضرب الأمثال من الأساليب البلاغية المعروفة لدى المخاطبين فقد خصّص بالذّكر بصيغة العموم: {مِن كُلِّ مَثَلٍ). ثم إن واقع النّاس هو الإعراض واختيار الجحود والكفران: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً)، وليس ذلك من نقص في كلام الله -حاشاه- وإنما هو لخبث تلك النّفوس واعتلال مزاجها، كما قال الشّاعر المتنبي:

ومن يك ذا فم مرّ مريض … يجد مرّا به الماء الزّلالا

ثم ذكر الله تعالى وجوه تعنتهم بطلب معجزات أخرى عندما أفحمتهم الحجة.

{وَقَالُواْ لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الاَرْضِ يَنبُوعاً، اَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الاَنهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيراً، اَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً اَوْ تَاتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآَئِكَةِ قَبِيلاً، اَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ اَوْ تَرْقَى فِي السَّمَآءِ وَلَن نُّومِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ' قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً):

ماذا ينتظر من الخصم بعد أن تفحمه الحجة، فهل يذعن لها ويستسلم؟ ربما القليل يفعل ذلك، ولكن الظّالمين -وهم أكثر النّاس- يستمرون على الكفران والجحود، وهؤلاء لا تعوزهم المبرّرات فكانت منهم تلك الطّلبات المتعددة. وحكى الله عنهم الامتناع عن الإيمان بحرف "لَن" التي تفيد تأبيد النّفي في المستقبل. ويخاطبون الرّسول نفسه: {لَن نُّومِنَ لَكَ)؛ لأن اعتراضهم كان عليه هو بذاته لا على الله ولا على القرآن، فهم يحسدونه على تلك المكانة التي حباه الله بها، وقد حكى الله عنهم ذلك عندما قالوا: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) (الزّخرف:31 - 32).

٢٬٩٧٦ / ٦٬٧٦٧