سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ١٣٢فالقضية -إذن- محسومة من أساسها، فالمَلَك يتلقّى عن الله، والرّسول البشر يتلقّى عن الملك ليبلغ بني جنسه، فليس في ذلك ما يشين؟، بل كان من رحمة الله بخلقه وتمشيّا مع إلفهم وطبيعتهم أنه تعالى لا يرسل رسولا إلاّ بلسان قومه ليبيّن لهم؛ فإن ذلك أدعى للفهم والتّجاوب، وهو العنصر الفعّال في التّبليغ، قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ اِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم:4).
وكان من المنطق المعقول أن تكون الإجابة على هذه الشّبهة بقوله تعالى لرسوله: {قُل لَّوْ كَانَ فِي الاَرْضِ مَلآَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً)، فالتّوافق في الجنس هو من البديهيات التي تتطلبها سنة الله في خلقه. وعلى فرضية أن تكون الأرض مستقرا للملائكة تطمئن لهم حياتهم فيها، لكان رسول الله إليهم ملكا مثلهم لتتمّ المخالطة وتكون المفاهمة بينهم، وحتى لو حقق الله طلبهم بإنزال ملك إلى جانب رسول الله فهو لا يتمثل لهم إلا بشرا. فتؤول القضية إلى نفس الإشكالية، قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ) (الأنعام:9). وقد تمثل جبريل رجلا عندما جاء يسأل رسول الله في مجلس من أصحابه في حديث عمر رضي الله عنه فماذا بقي من الشّبهات عند هؤلاء؟، وما حيلة الرّسول أمام ذلك التّعنّت؟.
لم يبق له إلا تفويض أمره إلى الله ليحكم بينه وبين أعدائه فأمره أن يعلن أمامهم ذلك فقال: {قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ إِنَّهُ' كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً).