نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ١٥٣

لقد كان إنزال القرآن الكريم على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما تقدم- هو النّعمة الكبرى من الخالق لجميع خلقه؛ لأنه يرسم لهم طريق النّجاة للفلاح في الدّنيا والفوز في الآخرة، فأثبت الحمد لذاته العلية بإطلاق لفظ الجلالة موصوفا بالموصول للتّنويه بمضمون الصّلة، وأنه تعالى هو المنزل لهذا القرآن، ووصف الرّسول بالعبودية رفع لقدره إلى الحضرة العلية بأن كان محلّ رعايته باختياره صاحب رسالته. ثم وصف الله القرآن بوصفين متكاملين، فقال تعالى:

أ) - {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ’ عِوَجَا): والعوج أو الاعوجاج هو الانحراف عن الخطّ المستقيم، فهو بكسر العين وفتحها، ويطلق على الحقيقة في الأشياء المادية وعلى المجاز في الأحوال المعنوية. ونفي العوج عن كتاب الله هو لنفي التّناقض والبعد عن التّفاوت والاختلاف: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) (النّساء:82). فإن القرآن كامل في ذاته مبنى ومعنى مكمّل لغيره: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (الأنعام:38). وهو الصّراط المستقيم كما وصفه رسول الله. وفي هذا الوصف إبطال لما يقوله المشركون من أنه أساطير الأولين، وأنه من قول البشر. وقد ورد له نفس الوصف في سورة الزّمر فقال تعالى: {وَلَقَد ضَّرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (27 - 28).

ب) - {قَيِّماً): فعلى الاحتمالين لمعنى "قيّم"، فإن القرآن يتعهّد الخلق بالإرشاد إلى الهداية والصّلاح، كما أنه قيّم على كلّ الكتب السّماوية مصدّق وشاهد عليها، والجمع بين الصّفتين هو للتأكيد؛ لأنه رُبّ مستقيم في رؤية العين لا يخلو من اعوجاج عند القياس والتّمحيص.

٣٬٠٠٢ / ٦٬٧٦٧