نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ١٦٧

{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنَ اَمْرِكُم مَّرْفِقاً):

وهذه مقولة أخرى لبعضهم البعض على سبيل المشورة والنّصح، وقد وقع الانفصام بينهم وبين قومهم إذ اعتزلوا تلك الفتنة وفرّوا بإيمانهم، فلم يعبدوا غير الله تعالى، فإنّ الكهف هو أوفق مكان لتلك العزلة يوفّر لهم الاطمئنان والدّعة لعبادة الله، فهم لم يفرّوا إلى قصر منيف ولا إلى حديقة فيحاء، بل إلى ضيق الكهف ووحشته، وهم واثقون من رحمة الله التي يجدون فيها الرّحب والسّعة وليونة المرفق.

وتتجلى رحمته تعالى بهم في ذلك النّوم العميق وما فيه من الأحلام التي لا تحدّها حدود الدّنيا الضّيقة. ومن الأحكام الشّرعية من خلال أحداث القصة يذكر الزّحيلي نقلا عن ابن كثير أنه قال: "وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في النّاس أن يفرّ العبد منهم خوفا على دينه، كما جاء في حديث البخاري وأبي داود عن أبي سعيد الخدريّ عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن».(1) ففي هذه الحال تشرع العزلة عن النّاس، ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجُمع"(2)

قلت: وفي هذا الصّدد وردت أحاديث أخرى يتنبّأ فيها رسول عما يقع في أمته، كقوله: «بدأ الدّين غريبا وسيكون غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء».(3)

(1) 1 - رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخذري، كتاب (1) الإيمان، باب (12) من الدين الفرار من الفتن، رقم 19.

(2) 2 - وهبة الزحيلي، التّفسير المنير: 15/ 220.

(3) 3 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب (1) الإيمان، باب (65) بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، رقم 146.

٣٬٠١٦ / ٦٬٧٦٧