نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ١٨٤

وكان لسّيدنا نوح عليه السلام نظير هذا الموقف أزاء سخرية قومه عندما قالوا له: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الذِينَ هُمُ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) (هود:27). فكانت إجابته الحاسمة: {وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ) (هود:29).

ثم أكد الله أمره لنبيه بهذا النهي فقال: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنَ اَغْفَلْنَا قَلْبَهُ’ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ’ فُرُطاً).

لمّا كانت نظرة العين إلى شيء ما تجرّ -أحيانا- إلى التّعلّق به، سيما إذا استتعبت النّظرة النّظرة، وقد صرف الرّسول نظر الإمام عليّ كرم الله وجهه إلى تلك الفتاة وقال له: «الأولى لك والثّانية عليك». ولذلك نهى الله رسوله أن يصرف نظره عن أولئك الذين انقطعوا عن زينة الدّنيا ومغرياتها.

وقوله تعالى: {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) حال من كاف الخطاب في قوله: {عَيْنَاكَ)، أي لا يكون إعراضك عنهم بسبب زينة الدّنيا، كما يفعل الغافلون عن ذكر الله، ولذلك أكّد الله النّهي الأول بقوله: {وَلاَ تُطِعْ مَنَ اَغْفَلْنَا قَلْبَهُ’ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ’ فُرُطاً). ولمتاع الدّنيا سحر في نفوس عاشقيها، إذ تتمكن من أحدهم الشّهوات والرّغبات حتى يصبح عبدا لها، فأنّى له أن يذكر الله، وأنّى له أن تحدّه حدوده.

وبذلك يرسم الله للرّسول والمؤمنين قاعدة التّعامل مع المشركين ومن على شاكلتهم من عبيد الدّنيا وعبّاد الشّهوات، فلا سبيل إلى الاستجابة لما يطلبونه من المساومة والمداهنة، بل هي المفاصلة والمصارحة في طبيعة الدّعوة إذ قال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُومِنْ وَّمَن شَآءَ فَلْيَكْفُر).

٣٬٠٣٣ / ٦٬٧٦٧