نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ٢١٦

فالاستفهام للتّعجيب والإنكار أن يعبدوا الشّيطان وذريته بعد الذي يعرفونه من العداوة بينه وبين أبيهم آدم. والذّرية تطلق على النّسل، كما تطلق مجازا على الأتباع، قال تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنَ اَطَعْتُمُوهُمُ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام:121).

وجملة: {بِيسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) مستأنفة للذّم من اختيارهم لذلك البدل عن الله، باتخاذهم شركاء له من إبليس وذريته، فقد وصفهم بـ"الظّالمين"؛ لأنّ الشّرك أعظم الظّلم، وفي ذلك تفظيع لأمرهم.

{مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً):

الإشهاد هنا بمعنى الحضور، والضّمير يرجع إلى أقرب مذكور وهم الشّيطان وذريته، نفى الله أن يكون أولئك الذين اتخذتموهم أولياء من دونه قد حضروا خلق السّماوات والأرض وما كان من أسرار التّكوين، ولا أشهدهم خلق بعضهم بعضا بل هم من سائر مخلوقات الله، خلقها وأوجدها بعد خلق السّماوات والأرض كما تدلّ على ذلك الآيات الكثيرة، منها قوله تعالى في سورة البقرة: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً) (21 - 22). فإذا انتفى الحضور والمشاركة في الخلق فقد انتفى وجود المساعد والمعين لله تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

وقد جاء التّذييل بقوله: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً)، واختيار وصف "الإضلال" مكان الإضمار هو لتأكيد الذّم السّابق، وفي الكلام مجاراة لأوهام المشركين، وإلاّ فإنّ الله غنيّ عن الأعضاد سواء المضلّين أو غيرهم. وفي الآية تثبيت للرّسول حتى يعرض عن أولئك المتعجرفين من السّادة والكبراء.

٣٬٠٦٥ / ٦٬٧٦٧