هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ١٦ · صفحة ١٥٣

واحتج الشافعي بأحاديث أنه A صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة وبحث فيه بأن الذي اشار اليه إذ كان مراده ما وقع من قوله A من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فإن ذلك لا يسمى صلحا إلا إذا التزم من أشير اليه بذلك الكف عن القتال ، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر وإن قريشا لم يلتزموا بذلك لأنهم استعدوا للحرب وإن أراد بالصلح وقوع عقده فهذا لم ينقل ولا أظنه عني إلا الإحتمال وفيه ما ذكرنا ثم دخل رسول الله A مكة في كتيبتها الخضراء وهو على ناقته القصوى بين أبي بكر وأسيد بن خدير فرأى أبو سفيان ما لا قبل له به فقال للعباس يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكا عظيما ، وروي أنه A وضع رأسه تواضعا لله لما رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن رأسه لتكاد تمس رحله شكرا وخضوعا لعظمته أن أحل له بلده ولم يحله لأحد قبله ولا لأحد بعده .

وعن أنس أن النبي A دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر وهو بكسر الميم وسكون العين المعجمة وفتح الفاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس ، وفي المحكم هو ما يجعل من فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة فلما نزعه جاء رجل فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتله ، وروي أن ابن خطل قتله الزبير ، وروي أنه تعلق بأستار الكعبة فاستبق اليه سعيد بن حويرث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب ولعله سبقه ولكن باشر قتله أبو برزة ، ونص ابن هشام صاحب السير أن سعيدا وأبا برزة اشتركا في قتله وإنما أمر بقتل ابن خطل لأنه كان مسلما فبعثه A مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار وكان معه مولى يخدمه وكان مسلما ونزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فقتله وارتد وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله A وإنما اختلف في اسمه لأنه كان يسمى عبد العزى ولما أسلم سمي عبد الله ومن سماه بهلال فالتبس عليه بأخ له يسمى هلالا واختفى ابن أبي سرح عند عثمان بن عفان فلما دعا الناس A فقال يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر اليه ثلاثا كل ذلك بأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت عن بيعته فيقتله فقالوا يا رسول الله ما ندري ما في نفسك ألا أومأت الينا قال إنه لا ينبغي للنبي أن تكون له خائنة الأعين وليس A محرما يومئذ ، قال جابر بن عبد الله دخل A وعليه عمامة سوداء بغير إحرام ولم يدخلها غير محرم إلا ذلك اليوم وجمع بين حديث دخوله بالمغفر وحديث دخوله بالعمامة بأنه كان أول دخوله بالمغفر ثم أزاله ولبس العمامة فحكى كل ما رآه وخطب بتلك العمامة وكانت الخطبة عند باب الكعبة وقيل إن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر أو كانت تحته وقاية لرأسه من صدى الحديد فذكر أنس وهو صاحب حديث المغفر أنه دخل بالمغفر مريد أن يعلم الناس أنه متأهب للحرب ، وأراد جابر بذكر العمامة إعلامهم أنه دخل غير محرم ، وقال أسامة ابن زيد أين منزل رسول الله فقال وهل ترك لنا عقيل من منزل وكان عقيل وطالب كافرين فورث عقيل طالبا ولم يرث جعفر ولا علي شيئا فكان عمر يقول لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر ، وفي رواية قال E منزلنا ان شاء الله إذا فتح الله الخيف حيث تقاسموا على الكفر يعني به المحصب وذلك أن قريشا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا اليهم النبي A ، وروي أنه اغتسل يوم الفتح في بيت أم هاني ثم صلى الضحى ثمان ركعات قالت لم أره صلى صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود وأجارت أم هاني حموين لها فقال رسول الله A قد أجرنا من أجرت يا أم هاني ، ورجلان الحارث بن هشام وزهير بن أمية بن المغيرة وقد أراد أخوها علي قتلهما فأغلقت عليهما باب دارها وذهبت إلى النبي A ولما كان الغد من يوم الفتح قام E خطيبا في الناس فحمد الله وأثنى عليه ومجده بما هو أهله ثم قال أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة فلا يحل لإمرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص فيها لقتال رسول الله A فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب ثم قال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء أي الذين أطلقوا فلم يسترقوا ولم يؤسروا والطليق الأسير إذا أطلق والساعة المحللة له ما بين أول ذلك النهار ودخول وقت العصر ولما فتح الله تعالى مكة قال الأنصار فيما بينهم أترون أن رسول الله A إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها وكان A يدعو على الصفا رافعا يديه فلما فرغ من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شيء يا رسول الله فلم يزل بهم حتى اخبروه فقال A معاذ الله المحيي محياكم والممات مماتكم وهم فضالة بن عمير بن الملوح ان يقتل رسول الله A وهو يطوف بالبيت فلما دنا منه قال له رسول الله A أفضالة قال نعم يا رسول الله قال ماذا كنت تحدث به نفسك قال لا شيء كنت اذكر الله فضحك رسول الله A قال له استغفر الله ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه وكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه ، وطاف A بالبيت يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان وكان حول البيت ثلاثمائة وستين صنما فكلما مر بصنم أشار اليه بقضيبه وهو يقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فيقع الصنم لوجهه .

٧٬٦٥٣ / ٧٬٦٨٠