38
الجزء ٥ · صفحة ١﴿ وما مِنْ دابَّةٍ فى الأرض ﴾ تدب على وجه الأرض ﴿ ولا طائرٍ يَطيرُ بجنَاحَيْه ﴾ اذكر قوله : ﴿ فى الأرض ﴾ وقوله : ﴿ يطير بجناحيه ﴾ لتأكيد عموم الدابة وعموم الطائر ، كأنه قيل : ما من موضع فى الأرض يصلح للدبيب لو دبت فيه دابة ، ولا يقع طيران بجناحين ، وهذا العموم زائد على عموم ما من دابة ولا طائر ، وأيضاً ذكر يطير بجناحيه لئلا يتوهم أن المراد بالطيران صبحاً والسرعة ، أو غ يرها ، وقرأ ابن أبى عبلة برفع الطائر عطفاً على موضع دابة ، لأن دابة فاعل جر بمن المستغرقة ، ففى هذه القراءة يكون الاستغراق نصاً فى دابة ، لتسلط من المذكورة عليه ، وطائر غير نص ، لأن من لم تعتبر فيه والأجر ويستفاد استغراقه من قوله : ﴿ يطير بجناحيه ﴾ ومن المقام ومن الخارج .
ومن قال : النكرة فى سياق النفى تفيد الاستغراق نصاً ولو بدون من ، قال : إن قوله : ﴿ ولا طائر ﴾ بالرفع يفيده ، ولكن قوله : ﴿ وما من دابة ﴾ أعظم استغراق بمن ، وهذا البحث ظهر لى محتملا الإمكان أن يكون ولا طائر بالرفع نصاباً ، باعتبار أن العطف لما كان على دابة المستغرقة كان معناها وهو نص الاستغراق واقعاً على المعطوف ، ولو لم يظهر فيه أثره ، وكان بعض العلماء لا يسمى الطائر دابة لهذه الآية ، إذ ذكر بعد الدابة ، ورد بقوله تعالى : ﴿ وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل فى كتاب مبين ﴾ وأنه عطف الطائر على دابة عطف خاص على عام ، لحكمة أن الطائر أشد امتناعاً من غيره ، وأنه يذب ويطير ، ومع ذلك لا يفوت الله ، وبقى الحوت وهو داخل قبل فى الطائر ، لأنها تسبح فى الماء كما تدب الحبة فى الأرض ، على أن تجعل فى الأرض نعتاً لدابة لا متعلقاً ، ويراد بالأرض ما فى هذا المركز السفلى إلا يرى أنه لا يخرج ما لو صنع له بيت من شجر ، وأسكن فيه وأيضاً قد يسبح الحوت منسحباً على الأرض لمعونة الماء .
﴿ إلا أممٌ أمثالكم ﴾ أمم خبر المبتدأ الذى هو دابة ، وأمثالكم نعت أمم فجميع الدواب والطيور أمم ، مماثلة لكم فى كونها مخلوقة مقدرة الرزق ، مؤجلة معلومة له تعالى ، يعرف بعضها بعضاً ، وتتألف محفوظة كما أنتم مخلوقون مقدرة أرزاقكم ، مؤجلون محفوظون معلومون لله تعالى ، فمن كان كذلك كامل القدرة شامل العلم والتدبير ، كيف لا يقدر ينزل آية ، وجمع أمما باعتبار المعنى ، لأن دابة وطائر يعمان إذ كانا فى سياق النفى فهما طيور ودواب لا دابة واحدة ويروى أحد ، فالطير أمة ، والدواب الإنسية أمة ، والوحش أمة ، كما أن الإنس أمة ، والجن أمة ، أو كل نوع أمة ، فالحمامة أمة ، والهدهد أمة ، والحرد أمة ، والإبل أمة ، والضأن أمة ، وهكذا ويدل له قوله A :