هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

115

الجزء ٢ · صفحة ١

﴿ ولله المشرق والمغرب فأينما تُوَلّوا فَثمّ وجْهُ الله ﴾ : أى جهات الأرض كلها لله شرقيها وغربيها ، فأى موضع وجهتم إليه وجوهكم بأمر الله فى الصلاة ، ففيه الله بالعلم والقدرة والحفظ ، لا بالاحتواء والحلول ، وهو فى كل مكان كذلك . وخص المشرق وهو مواضع شروق الشمس ، أى إضاءتها وظهورها ، والمغرب وهو مواضع غروبها بالذكر ، لأن المشرق جهة الكعبة المتحول إليها ، والمغرب جهة بيت المقدس المتحول عنها بالنسبة إلى المدينة ، مع أن قسم الشئ إلى جهتين متقابلتين استغراق لجهاته ، بأن يأخذ كل منهما ما يليه من جانبها ، والفاء سببية ، وأين ظرف مكان مبنى لتضمنه معنى حرف الشرط ، متعلق بشرطها عند بعض ، وهو ( تولوا ) أو بجوانبها عند بعض وهو قوله : ﴿ فثم وجه الله ﴾ وإنما صح التعليق به بالنظر إلى المعنى المراد منه وهو قولك الله عالم بتوليتكم ، أو متعلق باستقرار : ثم ، فإنه ظرف مبنى لتضمنه معنى الإنشاء ، وهو هنا الإشارة ، فإن الأصل أن تودى بالحرف كالنهى ، والاستفهام متعلق بمحذوف خبر ، ووجه مبتدأ لكن على أن نجعل أينما مراداً به أوسع من ( ثم ) مثل أن يوقع ( ثم ) على الكعبة ، وأين على جهات المشرق ، أو نجعل ذلك على العكس ، وما صلة لتأكيد العموم ، ومفعول ( تولوا ) محذوف ، أى تولوا وجوهكم ، وقد يقال هذا من المواضع التى لم يتعلق أغراض العرب فيه بالمفعول ، فلا يقدر له مفعول ، فيكون جارياً مجرى اللازم ، أى أينما فعلتم التولية ، كقولك : زيد يعطى ، تريد الإخبار بأنه ليس شحيحاً ، لا الإخبار بأنه يعطى فلاناً ، ولا بأنه يعطى ديناراً أو كذا . وقرأ الحسن ( تولوا ) بفتح التاء واللام وإسكان الواو بعدها إسكاناً حياً على أن الأصل تتولوا بتائين ، أى توجهتم بوجوهكم و ( وجه الله ) ذاته ونفسه تعالى وذاته ونفسه هو ، وعبر عن العلم بالتولية بقوله : ( فثم وجه الله ) ، لأنه يلزم فى الجملة من وجود أحد فى موضع أن يكون عالماً بما فيه ، ويجوز أن يكون وجه الله سبحانه بمعنى رضى الله أو مرضيه ، فإن وجه الشئ خالصه وما يرضى ، فكأنه قيل : فثم مرضى الله ومختاره وهو الجهة المأمور بها ، المرضية المختارة ، وهى القبلة التى هى الكعبة ، أو يقدر مضاف أى رضى وجه الله ، أو مرضى وجه الله ، أى ذات الله جل وعلا ، ويجوز أن يكون الوجه بمعنى الجهة ، أى جهة الله ، أى الجهة التى يرضاها الله قبلة ، وقد علمت من قولى : بأمر الله أنه ليس لهم التوجه فى الصلاة حيث شاءوا ، وقيل إنه لا قبلة واجبة قبل الكعبة على المؤمنين ، بل لهم أن يصلوا إلى أى جهة أرادوا ، وأن هذا معنى الآية ، ثم وجبت القبلة ، وقيل كان ، A ، والمؤمنون يصلون النفل فى السفر حيث ما توجهت رواحلهم ، وطعن اليهود فى ذلك فنزلت الآية .

٥٠١ / ٧٬٦٨٠