الباب الأول: في التوبة وأركانها وشروطها
الجزء ١ · صفحة ٢١٣المراد بـ»أصلها« هو الأمر الباعث لفعلها، والمراد بـ»منتهاها« هو ثمرتها التي تترتب على حصولها، أي أصل التوبة الذي يبعث لفعلها هو: امتثال لأمر ربنا (تعالى)، فإن العبد إذا نظر إلى أوامر الله (تعالى) وإلى نواهيه وعزم على امتثال ذلك انبعث نفسه وتحرك خاطره إلى تدارك ما ترك من المأمورات، والإقلاع عما ارتكب من المنهيات، وأورثه ذلك الامتثال الندم على ما فات من الزلات، فالتجأ إلى الله (تعالى) طالباً لغفران الخطايا والسيئات، فكان ذلك منه هو التوبة بعينها، فإذا حصلت له هذه الخصال انتهى به الحال إلى بلوغ مراده، وهو غفران ذنوبه وستر عيوبه وحط أوزاره، وهذه الخصلة هي: ثمرة التوبة وغايتها، والرتبة التي ينتهي إليها الراجع عن عصيانه، بالنظر إلى أول أحواله، أما ما يكون له من الثواب الجزيل والعطاء الجليل، فذلك أمر أسداه إليه محض الفضل وسعة الرحمة بسبب امتثال قوله (تعالى): (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون)( 4) عاملنا الله بفضله وأدخلنا في واسع رحمته، إنه كريم رحيم، والله سبحانه و(تعالى) أعلم.
يجب أن تكون التوبة في الإسرار والإعلان مثل المعصية، فإن كانت المعصية من الأعمال الباطنية فالتوبة منها سراً مجزية، فإن أعلن بها فذلك نفل، وإن كانت المعصية من الأفعال الظاهرة كشرب الخمر وأكل الميتة ونحو ذلك فلا تجزي التوبة عنها إلا جهراً لقوله صلى الله عليه وسلم: »إذا عملت سيئة فأحدث عندها توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية«(5 ) فإذا عرفت هذا فاعلم.
إن العجب والكبر والحسد( 6) والرياء من المعاصي الباطنية، فالتوبة منها إزالتها بالكلية وصرفها بعلاجاتها الباطنية.
ولا يلزم الإعلان بالتوبة منها، وهذا معنى قوله »توبتها أن تفقد« أي توبة هذه الأمور هو إعدامها من نفس المأمور، ورفع »تفقد« على لغة قوم يهملون أن المصدرية ولا يعملونها(7 ).