الباب الأول: في التوبة وأركانها وشروطها
الجزء ١ · صفحة ٢١٤ومثل هذه الأمور في صفة التوبة منها العزم على الفسوق، فإن العزم على ذلك من المعاصي الباطنية فيجزي أن التوبة منها لرجوع عما عزم عليه والندم على ما كان منه، وهذا معنى قوله: »وهكذا العزم على الكفران« والمراد بـ»الكفران« هو ما عدا الشرك من المعاصي، أما العزم على الشرك فقد صرح الشهاب بن حجر أنه: شرك(8 )، ووجهه: أن العازم على الشرك لا يخلو من أحد أمور: إما أن يكون عزمه ذلك لأجل تصويب الشرك، أو لقدح في الإسلام، أو لتردد في التوحيد، أو لجهل بما يلزمه علمه من التوحيد، والكل من هذه الأمور شرك، ويحتمل أنه أراد نفس العزم على الشرك شرك مع قطع النظر عن هذه الأمور، وهو ظاهر عبارته، والله أعلم.
وأما قوله: »فالحق أنه من العصيان« أي فالقول الحق أن العزم على الكفران معصية خلافاً لمن قال أنه ليس بمعصية، والله (سبحانه وتعالى) أعلم.
أي وعد ربنا (تعالى) بقبول التوبة، فلا يُرد تائب عن ذنبه من قبولها إذا أتى بها في وقتها الذي تقبل فيه، ووقتها الذي تقبل فيه هو العمر كله إلا في موضعين:
أحدهما: وقت الغرغرة( 9) بالموت ومشاهدة أسبابه، فإن التائب في هذا الوقت لا تقبل منه توبته إذا كان قبل ذلك الوقت مُصراً، لأن توبته حينئذ لا عن اختيار منه لها وإنما كانت منه اضطراراً لمّا تيقن من حضور الموت وانقضاء الدنيا عنه، والدليل على ذلك قوله (تعالى): (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن)(10 ) وقوله صلى الله عليه وسلم: »إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر«( 11) وروي عطاء: »أنها قبل موته ولو بفواق ناقة«(12 ).