بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الباب الثالث: في الاجتهاد والفتوى

الجزء ١ · صفحة ٥٨

تابع الباب الثالث:في الاجتهاد والفتوى

أحدها: فيما إذا حكم عليكم حاكم عدل وكان ممن يجوز له الحكم في المختلف فيه، فإنه يجب عليكم اتباعه فيما حكم به، ولا يجوز لك مخالفته في ذلك وإن كنت ترى أن الذي حكم به هو الأهزل والأبعد من الأدلة؛ (ويبحث فيه) بأن هذا غير خارج من تلك القاعدة، ألا ترى أنه إذا حكم لك بشيء ترى أنه لغيرك لا يجوز لك أخذ غاية ما فيه أن الواجب في الصورة الأولى الانقياد لحكم الحاك لا ترك الأعدل في نظره.

وثانيها: أنه إذا كان في الرأي الذي يرى(1 ) أنه أبعد من الأدلة مخالفة لكافر قال يجوز له ترك ما هو الأعدل في نظره والأخذ بما هو أهزل، فيخالف الكافر في ذلك، كان الكافر مشركاً أو فاسقاً، ونصب للأول دليلاً يهودي مرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واقفون عن دفن ميت، فقال اليهودي: هكذا تفعل أحبارنا، قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لليهود( 2)، ونصب للثاني دليلا ما روي أن جابر بن زيد(3) (رضي الله عنه) خالف الحسن البصري حين قال له -وقد حضر معه في مرضه الذي مات فيه-: »قل يا جابر لا إله إلا الله« فأمسك جابر مع قدرته على النطق مخافة أن يقال تبع الحسن في مذهبه.

ويبحث فيه بأن هذا كله خلاف ما عليه القاعدة، فإن القاعدة هي أنه لا يجوز للمجتهد أن يخالف ما رآه أنه هو الحق في نظره وأن ما عداه خلاف الحق في نظره، وقعوده صلى الله عليه وسلم وإمساك جابر عن القول ليس حراماً قبل ذلك.

٥٨ / ٢٣٦