بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الباب الثالث: في الاجتهاد والفتوى

الجزء ١ · صفحة ٥٩

وثالثها: أنه إذا كان في الرأي الذي يرى أنه الأهزل في نظره نوع زهد وتنزه، وفي الرأي الذي يرى أنه الأرجح والأعدل ترك لذلك التنزه والورع؛ قال فهاهنا يجوز له أن يترك ما يرى أنه الأعدل، فيأخذ بما في نظره أنه الأهزل، وضرب لذلك مثلاً بمسألة تحليل السباع وتحريمها،على أنه قد ورد النهي من الشارع من أكلها، وقد اختلف العلماء في تأويل هذا النهي، فذهب بعضهم إلى أن هذا النهي للتحريم، فحرَّم أكل السباع لذلك( 4)، وذهب آخرون -منهم إمام المذهب أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي- إلى حمل هذا النهي على الكراهية والتنزه؛ فأجازوا أكل لحوم السباع وقالوا فيها: بالتكريه، فإذا رأى المجتهد جواز أكلها وإن هذا النهي للكراهة كما عليه هذا الإمام (رضوان الله عليه) كان جائزاً أن يتمسك بما رأى(5 ) فيأكل، وأن يدع أكلها تنزهاً لما في أكلها من الكراهية، هذا في الحكم الذي يخصه بنفسه، أما إذا حكمه غيره وولي الحكومة في ذلك وجب عليه أن يحكم بما يرى أنه الأقرب للصواب.

مثال ذلك: إذا تخاصم إليه رجلان اصطاد أحدهما سبُعاً فأطلقه منه الآخر، فطلب المصطاد حقه من الذي أطلقه سبعه، كان على هذا الحاكم أن يحكم لهذا المصطاد على هذا الذي أطلقه بضمان سبُعه، ويبحث فيه: بأن ما ذكر من جواز الترك للأكل ليس من هذا الباب الذي نحن بصدده، فإن ترك هذا المجتهد أكل هذه السباع إنما هو لامتثال النهي الوارد عن الشارع فلا يلزم من الامتناع عن أكلها، القول بأن أكلها حرام، ألا ترى أنه حين صار حاكماً وجب عليه الأخذ بما رأى(6 ) أنه الأرجح في نظره فيلزمه الحكم به، ولأجل هذه الإيرادات على هذه المستثنيات أشار المصنف للتبري من استثنائها(7 ) بقوله: »فيما رأوا« أي فيما رأى المستثنون لهذه الخصال، ولما فرغ من بيان الأحكام التي تخص المجتهد شرع في بيان حكم الضعيف عن الاجتهاد فقال:

٥٩ / ٢٣٦