الموضوع: أحكام الأسرة وأسئلة أخرى
الجزء ٢ · صفحة ١٨٨وهناك أيضاً النواحي الفقهية لا بد من إفهامهم إياها ليتفطنوا لذلك وخصوصاً عندما يكونون مشارفين للزواج سواء ذلك في حق الذكور أو في حق الإناث، ونحن نجد صوراً ونماذج في حياة السلف الصالح تدل على ما كان عليه السلف الصالح من الحرص على التفقه في دين الله من غير أن يكون الحياء الذي يتصفون به مانعاً لهم من ذلك، فمن ذلك ما روي عن ابنة أبي مسور رحمهما الله، وكان أبو مسور أحد علماء أهل الحق والاستقامة في جربة، في القطر التونسي، قبل نحو اثني عشر قرناً، ولا يزال مسجده موجوداً إلى الآن ويسمى باسمه، كان من الفقهاء الكبار، وكانت عنده ابنة في منتهى الذكاء والفطنة، وكانت تسآءل أباها كثيراً، وعندما أتاها الحيض أخذت تسآءله عن مسائل تتعلق بالحيض حتى وصفت كيف يأتيها الحيض وماذا رأت، فقال لها: أما تستحين يا بنيتي تسألينني عن مثل هذا؟ قالت له: إني أخشى أن يمقتني الله إن استحييت. فقال له: لا مقتك الله.
وكات هذه الفتاة في منتهى الفطنة وكان أبوها يعترف لها كثيراً بفطنتها وبذكائها فيما يكون بينهما من حوار حتى إنه كان بينه وبنيها حوار في يوم من الأيام في الأعمال، هل الأعمال هي أفضل من العاملين، أو العاملون أفضل من الأعمال، فكان رأي أبيها أن العاملين هم أفضل من أعمالهم، فردت عليه بل الأعمال أفضل لأنهم يفنون وتبقى أعمالهم.
ومما يؤيد رأيها أن العمل لا يشرف بالعامل وإنما العامل هو الذي يشرف بالعمل، والعامل لا يرفع قدر العمل وإنما العمل هو الذي يرفع قدر العامل.
وكان في يوم الأيام أيضاً جالساً بجنبها وكانت تغسل ملابسه فقال: أتمنى أن يطهر الله قلبي مثل هذا الثوب. فقالت له: أتمنى أن يجعل الله تطهير قلبي بيدي فأطهره بيدي فأطهره مثل هذا الثوب. فقال لها: أنت أفقه مني حتى في الأماني.