ما جاء من الكلم على حرفين
الجزء ١ · صفحة ١٠وتكون بمنزلة الذي في قولك: أرأيت ما عندنا ؟: إلا أنها في هذه المواضع اسم، ووقوعها على ذات غير الآدميين نحو قولك - إذا قال ماعندك ؟ فرس، أو حمار، أو مال، أو بر، وليس جواب قوله: ما عندك ؟ زيد، ولا عمرو. وقد خبرتك بعمومها في قوله " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " وأما وقوعها لصفات الآدميين فكقولهم: ما زيد ؟ فيقول: شريف، أو وضيع.
ولها موضعان تقع تقع فيهما وليست باسم، إنما هي فيهما حرك: فأحدهما: النفي، نحو قولك: ما زيد في الدار، وما يقوم زيد.
والموضع الآخر هي فيه زائدة مؤكدة لايخل طرحها بالمعنى، كقول الله عز وجل " فبمارحمة " وكذلك " فبما نقضهم ميثاقهم " .
ومن الحروف التي يستجمع لها معانٍ أن الخفيفة لها أربعة مواضع: فمن ذلك الموضع الذي تنصب فيه الفعل، فمعناها: أنها والفعل في معنى المصدر. وذلك قولك: يسرني أن تذهب غداً ومع الفعل الماضي لما فرط نحو أن تقوم يا فتى. معناه: يسرني قيامك، وأريد أن تذهب يا فتى. إنما هو: أريد ذهابك. ولا يقع في الحال. إنما يقع مع الفعل المستقبل لما بعد، نحو يسرني أن ذهبت، وأن كلمت زيدا، لأن معناه ما مضى.
وتكون مخففة من الثقيلة، نحو قولك علمت أن زيدٌ خيرٌ من عمرو، ومعناه: علمت أن زيدا خيرٌ من عمرو.
والفصل بين أن خفيفةً. وبين أن المخففة من الثقيلة أن الخفيفة لا تقع ثابتةً، إنما تقع مطلوبةً أو متوقعة ؛ نحو أرجو أن تذهب، وأخاف أن تقوم. فإذا وقعت مخففة من الثقيلة وقعت ثابتةٌ على معنى الثقيلة ؛ نحو أعلم أن ستقوم، على معنى قولك: أنك ستقوم. ولا يصلح: أرجو أنك ستقوم، لأنه لم يستقر عنده، لأن الثقيلة إنما تدخل على ابتداءٍ مستقر.
فأما ظننت فإن الثقيلة، والخفيفة يجوزان بعدها تقول: طننت أنك منطلق، تخبر أن هذا قد استقر في ظنك ؛ كما استقر الأول في علمك.
ويجوز للتشكك أن تقع على الخفيفة، لأنها ترجع إلى معنى أرجو: وأخاف. ومن ذلك قول الله عز وجل " تظن بأن يفعل بها فاقرةٌ " :.
وتقع أن في موضع أي الخفيفة للعبارة والتفسير كقوله عز وجل: " وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم " . معناه أي امشوا. ولا تقع إلا بعد كلام تام ؛ لأنه إنما يفسر بعد تمامه.
وتقع زائدةً توكيدا كقولك: لما أن جاء ذهبت. والله أن لو فعلت لفعلت. فإن حذفت لم تخلل بالمعنى. فهذه أربعة أوجه: وكذلك المكسورة تقع على أربعة أوجه: فمنهم الجزاء ؛ نحو إن تأتني آتك.
ومنهم أن تكون في معنى ما، نحو إن زيد في الدار: أي ما زيد في الدار.
وقال الله عز وجل " إن الكافرون إلا في غرور " وقال " إن يقولون إلا كذبا " .
وتكون مخففة من الثقيلة. فإذا كانت كذلك لزمتها اللام في خبرها لئلا تلتبس بالنافية. وذلك قولك: إن زيدٌ لمنطلقٌ.
وقال الله عز وجل " إن كل نفسٍ لما عليها حافظٌ " .
فإن نصبت بها لم تحتج إلى اللام ؛ نحو إن زيدا منطلق ؛ لأن النصب قد أبان. وجاز النصب بها إذا كانت مخففة من الثقيلة، وكانت الثقيلة إنما نصبت لشبهها بالفعل، فلما حذف منها صار كفعل محذوف، فعمل الفعل واحدٌ وإن حذف منك كقولك: لم يك زيد منطلقا وكقولك: ع كلاما.
وأما الذين رفعوا بها فقالوا: إنما أشبهت الفعل باللفظ، لا في المعنى. فلما نقصت عن ذاك اللفظ الذي به أشبهت الفعل رجع الكلام إلى أصله ؛ لأن موضع إن الابتداء ؛ ألا ترى أن قولك: إن زيدا لمنطلق إنما هو زيد منطلق في المعنى. ولما بطل عملها عاد الكلام إلى الابتداء، فبالابتداء رفعته لا بإن ؛ وما بعده خبره. وهذا القول الثاني هو المختار.
وليس كذا كأن إذا خففت، لأنك إذا قلت: كأن تشبه. فإذا خففت فذلك المعنى تريد.
وقولك لكن في منزلة إن في تخفيفها وتثقيلها في النصب و الرفع وما يختار فيهما ؛ لأنها على الابتداء داخلة.
- وتكون إن زائدة في قولك: ما إن زيد منطلق فيمتنع ما بها من النصب الذي كان في قولك: ما زيد منطلقا .. كما يمتنع إن الثقيلة بها من النصب في قولك: إنما زيد أخوك.
فمن ذلك قوله :
فما إن طبنا جبنٌ ولكن … منايانا ودولة آخرينا
فقد ذكرنا من الحروف والأسماء التي تقع على حرفين ما فيه دليل على تأويل ما كان مثله مما لم نذكره إن شاء الله .
ونذكر من الآيات التي على ثلاثة أحرف ما يدل على ما بعده .