ما جاء من الكلم على حرفين
الجزء ١ · صفحة ٩ومنها مِنْ وأصلها ابتداء الغاية ؛ نحو سرت من مكة إلى المدينة. وفي الكتاب: من فلان إلى فلان فمعناه: أن ابتداءه من فلان، ومحله فلان .
وكونها في التبعيض راجعٌ إلى هذا. وذاك أنك تقول: أخذت مال زيد، فإذا أردت البعض قلت: أخذت من ماله، فإنما رجعت بها إلى ابتداء الغاية .
وقولك: زيد أفضل من عمرو إنما جعلت غاية تفضيله عمرا. فإذا عرفت فضل عمرو علمت أنه فوقه .
وأما قولهم. إنها تكون زائدة فلست أرى هذا كما قالوا. وذاك أن كل كلمة إذا وقعت وقع معها معنى فإنما حدثت لذلك المعنى، وليست بزائدة. فذلك قولهم: ما جاءني من أحد، وما رأيت من رجل. فذكروا أنها زائدة. وأن المعنى: ما رأيت رجلاً، وما جاءني أحد، وليس كما قالوا وذلك ؛ لأنها إذا لم تدخل جاز أن يقع النفي بواحد دون سائر جنسه تقول: ما جاءني رجل، وما جاءني عبد الله. إنما نفيت مجيء واحد ؛ وإذا قلت: ما جاءني من رجل فقد نفيت الجنس كله، ألا ترى أنك لو قلت: ما جاءني من عبد الله لم يجز، لأن عبد الله معرفة، فإنما موضعه موضع واحد .
ومنها قَطْ ومعناها حسب وهي اسم وقولك: قطك في معنى قولك: حسبك .
ومن هذه الحروف في معناها: ما استوعاه الوعاء ؛ نحو قولك: الناس في مكان كذا، وفلان في الدار.
فأما قولهم: فيه عيبان فمشتق من ذا، لأنه جعله كوعاء للعيبين. والكلام يكون له أصل ثم يتسع فيه فيما شاكل أصله. فمن ذلك قولهم: زيد على الجبل. وتقول عليه دين، فإنما أرادوا أن الدين قد ركبه وقد قهره.
وقد يكون اللفظ واحدا ويدل على اسم، وفِعل ؛ نحو قولك: زيد على الجبل يا فتى، وزيد علا الجبل. فيكون علا فِعْلاَ، ويكون حرفا خافضا، والمعنى قريب .
ومن كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، فأما اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين فهو الباب، نحو قولك: قام، وجلس، وذهب، وجاء، وجمل، وجبل .
وأما اختلاف اللفظين والمعنى واحد ؛ فنحو جلس وقعد، وقولك: برٌ وحنطة، وذراع وساعد اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين فقولك. ضربت مثلا، وضربت زيدا، وضربت في الأرض، إذا أبعدت.
وكذلك وجدت تكون من وجدان الظالة، وتكون في معنى علمت ؛ كقولك وجدت زيدا كريما، وفي معنى الموجدة، نحو وجدت على زيد.
فهذا عارض في الكتاب ثم نعود إلى الباب.
ومنها لَمْ وهي نفي للفعل الماضي. ووقوعها على المستقبل من أجل أنها عاملة، وعملها الجزم، ولا جزم إلا لمعرب. وذلك قولك: قد فعل، فتقول مكذبا: لم يفعلْ ؛ فإنما نفيت أن يكون فَعَل فيما مضى.
والحروف تدخل على الأفعال فتنقلها ؛ نحو قولك: ذهب ومضى فتخبر عما سلف، فإن اتصلت هذه الأفعال بحروف الجزاء نقلتها إلى ما لم يقع، نحو: إن جئتني أكرمتك، وإن أكرمتني أعطيتك فإنما معناه: إن تكرمني أعطك .
ومن هذه الحروف لَنْ وإنما تقع على الأفعال نافيةً لقولك: سيفعل، لأنك إذا قلت: هو يفعل جاز أن تخبر به عن فِعْل في الحال، وعما لم يقع، نحو هو يصلي، أي هو في حال صلاة، وهو يصلي غدا. فإذا قلت: سيفعل، أو سوف يفعل فقد أخلصت الفعل لما لم يقع، فإذا قلت: لن يفعل فهو نفي لقوله: سيفعل ؛ كما أن قولك: ما يفعل نفي لقوله: هو يفعل.
ومنها لا وموضعها من الكلام النفي. فإذا وقعت على فِعْل نفته مستقبلا. وذلك قولك: لا يقوم زيد، وحق نفيها لما وقع موجبا بالقسم، كقولك: ليقومن زيد فتقول: لايقوم يا فتى. كأنك قلت: والله ليقومن فقال المجيب: والله لا يقوم وإذا وقعت على اسم نفته من موضعه ؛ كقولك: لارجل في الدار، ولا زيدٌ في الدار ولا عمروٌ، ويفرد لهذا الباب يستقصى فيه إن شاء الله.
ولوقوعها زائدةً في مثل قوله " لئلا يعلم أهل الكتاب أن لايقدرون على شيء " أي ليعلم كما قال الراجز:
وما ألوم البيض ألا تسخرا … لما رأين الشمط القفندرا
ومن الحروف ما يستجمع منه معانٍ: فمن ذلك مَنْ لها أربعة مواضع كما ذكرت لك.
ومن ذلك ما لها خمسة مواضع: تكون جزاءً في قولك: ما تصنع أصنع.
وتكون استفهاما لقولك: ما صنعت ؟