وما يمتنع
الجزء ١ · صفحة ٤٦وكذلك طِمِرّ، إنما هو فِعِلّ في الأصل، لأنه لو كان فِعْلِل لم يدغم، نحو قولك: رِمْدِد، لأنه ملحق بِخِمْخِم.
وكذلك الأفعال ما كان منها ملحقا لم يدغم، نحو قولك: جَلْبَبَ يُجَلْبب، لأنه ملحق بدحرج. وكذلك اقْعَنْسَسَ، لأنه ملحق - بقولك: احْرَنْجَمَ.
فالملحق يبلغ به الذي هو ملحق به.
وما كان على غير ذلك فقد أوضحته لك في الثلاثة، وما فوقها في العدة.
هذا باب الإدغام في المثلين في الانفصال إعلم أنه إذا التقى حرفان من كلمتين وقبل الأول منهما حرف متحرك، فإن الإدغام وتركه جائزان.
فإن أردت الإدغام أسكنت الأول، وإنما تفعل ذلك استخفاف، لترفع لسانك رفعةً واحدة. كلما كثرت الحركات في الكلمتين ازداد الإدغام حسنا. وذلك قولك: جعلك وإن شئت قلت: جعل لك. وإنما كان ترك الإدغام جائزا في المنفصلين، ولم يجز فيما سواهما مما ذكرت لك، لأن الكلمة الثانية لا تلزم الأولى.
وإنما وجب في المتّصلين للزوم الحرفين، وكذلك تقول: قَدِ محمد، وقدِم محمد و " أرأيت الذي يكذّبّا لدّين " هذا على ما وصفت لك.
هذا باب
الإدغام في المقاربة وما يجوز منه
وما يمتنع
ونبدأ بحروف الحلق. أما الهمزة، والألف فقد قلنا فيهما.
وأما الهاء فتدغم في الحاء، نحو قولك: اجْبَحّميدا تريد: اجبه حميدا ؛ لأنهما متقاربتان وليس بينهما إلا أن الحاء من وسط الحلق، والهاء من أوله، وهما مهموستان رخوتان.
ولا تدغم الحاء في الهاء ؛ لأن الحاء اقرب إلى اللسان، ولأن حروف الحلق ليست بأصل للإدغام، لبعدها من مخرج الحروف وقلتها، ولكن إن شئت قلبت الهاء حاء إذا كانت بعد الحاء وأدغمت، ليكون الإدغام فيما قرب من الفم. وذلك قولك: أَصْلِحّيْثَما تريد: أصلح هيثما، ف أما أن تدعها من غير أن تقبلها فلا.
وكذلك العين لا تدغم في الهاء، ولا تدغم الهاء فيها.
فأما ترك إدغامها في الهاء، فلقرب العين من الفم.
وأما ترك إدغام الهاء فيها ؛ فلمخالفتها إياها في الهمس والرخاوة.
وقد تقدم قولنا في ذلك.
فإن قلبت العين حاء لقرب العين من الحاء جاز الإدغام. وذلك قولك: محّم تريد: معهم وهي كثيرة في كلام بني تميم.
وكذلك العين والحاء إذا أدغمت واحدة منهما في الأخرى فقلبت العين حاء جاز. تقول: أَصْلِحّا مِرا تريد: أَصْلِحْ عامرا.
وكذلك: ادْفَحّاتِما. تريد: ادفع حاتما. أدغمت العين في الحاء، وهذا حسن.
فأما قلب العين إلى الحاء إذا كانت بعدها فهو جائز، وليس في حسن هذا، لأن حق الإدغام أن يدغم الأول في الثاني، ويحول على لفظه.
والمخرج الثالث من الحلق مخرج الغين والخاء. وإدغام كل واحدة منهما في أختها جيد، وإدغام العين والحاء فيهما يجوز في قول بعض الناس. ولم يذكر ذلك سيبويه، ولكنه مستقيم في اللغة، معروفٌ جائز في القياس، لأن الغين والخاء أدنى حروف الحلق إلى الفم.
فإذا كانت الهاء تدغم في الحاء، والهاء من المخرج الأول من الحلق، والحاء من الثاني، وليس حروف الحلق بأصل للإدغام، فالمخرج الثالث أحرى أن يدغم فيما كان معه في الحلق، وهو متصل بحروف الفم، كما تدغم الباء في الفاء، والباء من الشفة محضة، والفاء من الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا.
تقول: اذهفّى ذلك. تريد: اذهب في ذلك، واضر فّرَجا تريد: اضرب فَرَجا، لقرب الفاء من حروف الفم.
فكذلك تقول: امْدَغّالِبا. تريد: امدَح غَالبا، وامدَخّلَفا. تريد: امدح خلَفا.
وكذلك العين نحو اسْمَخّلَفا. تريد: اسمع خَلَفا، واسْمَغّالِبا، تريد: اسمَع غَالباً.
وسيبويه يأبى هذا التراخى بينهما، وأن الغين والخاء أقرب إلى الفم في المخرج منهما إليه.
وأما ما لا اختلاف فيه فإنك تدغم الغين في الخاء، لاشتراكهما في الرخاوة، وأنه ليس بينهما إلا الهمس والجهر، فتقول في قولك: اصبغ خلفا: اصبخّلفا، وهو أحسن من البيان .
وكذلك ادمَخّالدا تريد: ادْمغْ خالدا، والبيان جائز حسن.
وتدغم الخاء في الغين فنقول: اسلَغّنَمَك. تريد: اسلخ غنمك. والبيان أحسن، لأن الغين مهجورة، والتقاء المهموسين أخفّ من التقاء المجهورين، وكلّ جائز حسن.
ويحتج سيبويه بأنه قد يجوز لك أن تخفى النون معهما، كما تفعل بها مع حروف الفم. وذلك قولك: مُنْغُل، ومُنْخُل، لأنهما إن قربتا من الفم فأصلهما الحلق.