المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

محذوف في موضع حذفه

الجزء ١ · صفحة ٥٥

فإذا التقيا وهما سواء أو متقاربان، والأول منهما أول الكلمة أدخلت ألف الوصل وأدغمت وذلك: اطير زيد إنما كانت تطير، فأسكنت التاء، فلم يجز أن تبتدىء بساكن، فأدخلت ألف الوصل، ثم أدغمت التاء في الطاء.

وكذلك اترس زيد إذا أردته تترس.

فدخول الألف هاهنا كسقوطها من اقتتتلوا إذا قلت: قتلوا، فالتحريك يسقطها، كما أن الإسكان يجلبها.

ومن ذلك قوله " وإذا قتلتم نفساً فادارأتم فيها " وإنما كان تدارأتم فيها، فأدغمت التاء في الدال، فاحتجت إلى ألف الوصل لاستحالة الابتداء بساكن، ومثله " قالوا اطيرنا بك وبمن ومعك " .

فإن قلت: تتكلمون، وتدعون، لم يجز الإدغام وإدخال ألف الوصل، لأن ألف الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، لأن الأفعال إذا كانت على ما يَفْعَل وما أشبهه فهي مضارعه للأسماء، نحو فاعِل وما أشبهه، فكما لا تكون ألف الوصل في اسم الفاعل كذلك لا تكون فيما ضارعه. إنما تكون في الأفعال الماضية، نحو: انطلق، واقتدر واحمررت، واستخرج، واغدودن، واحرنجم. أو في الأمر: اضرب، اقتل، استخرج ؛ لأنها تضارع أسماء الفاعلين فتمتنع، فهذا موضعها من الكلام، فقد شرحت لك أمرها في الأفعال وتصرفها، وأمر وقوعها في الأسماء والعلة في ذلك إذ كان بابها الأفعال.

فإذا قلت في المنفصلين: هذا اسم موسى لم يجز أن تطرح حركة الميم على االسين، وتحذف ألف الوصل، كما فعلت في الأفعال، لأن المنفصل بائن مما قبله، وإنما الإدغام على مقدار لزومه. ولكنك تخفى إن شئت، وإن شئت حققت، والمخفى بزنة المحقق، إلا أنك تختلس اختلاسا كقولك: أراك متعففاً. فتختلس ولا يجوز الإدغام، لأن الذي قبل الفاء الوسطى ساكن.

وأما الملحقات من الأسماء فلا إدغام فيها، لأنها تنقص عن مقادير ما ألحقت به. وذلك قولك: قردد، ومهدد وما أشبهه، لأنه ملحق بجعفر، وذكلك الجمع، نحو قولك: قرادد، ومهادد، ليكون مثل جحعفر.

فإن لم يكن ملحقا لزم الإدغام، نحو قولك: رجل ألد، وأصم ؛ لأن أَفْعَلَ ليس بملحق بفعلل.

ألا ترى أن مصادرهما مختلفة إذا كان فِعْلين تقول: درحج دحرجة، وأكرم إكراما.

وكذلك فَعَّلَ ليس بملحق بدحرج، لن مصدره التفعيل.

ولكن مثل جدول ملحقٌ بجعفر وكذلك كوثر.

وإن كنا فعلين فهما ملحقان بدحرج. تقول: حوقل يحوقل حوقلة، وبيطر بيطرة وسهوك سهوكة، وذكلك سلقى يسلقى سلقاة.

وفيما ذكرته لك ما يدال على ما يرد عليك منه إن شاء الله.

هذا باب

ما شبه من المضاعف بالمعتل

محذوف في موضع حذفه

وذلك قولك في أحسست: أحست، وفي مسست: مست، وتطرح حركته على ما قبله، وتحذفها، تشبيها بقولك: أردت، وأقمت، وكلت، وبعت، كمنا استويا في باب رد وقام في الإسكان.

واستويا في التصحيح في باب فُعَل وفِعَل تقول ك صو ركما تقول: درر، ويبيع كما تقول: قدد.

وإنما تفعل هذا في الموضع الذي لا تصل إليه في الحركة يوجه من الوجوه، وذلك في فِعلْت وفَعِلْن.

فأما لم أحس وقولك: احسس، وامسس ومس وحس فلا تحذف ؛ لأن هذا تدخله الحركة إذا ثنيت، أو جمعت أو أثنيت ؛ نحو: أحسوا، وأحسا، وأحسى. وكذلك مسى ومسا.

وإنما جاز في ذلك الموضع لزوم السكون، وليس ذلك بجيد ولا حسن، وإنما هو تشبيه. قال الشاعر:

خلا أن العتاق من المطايا … أحسن به فهن إليه شوس

ومن قال: مست ففتح الميم فإنما شببها بلست، لأن أصلها كان لاس يلبس، وقد فسرنا امتناعها من ذاك ؛ لما يلزمها في المضارع وغيره من تصرف الفعل.

فهذا الذي فتح الميم حذف لما ذكرت لك، وترك الميم على أصلها للتغيير.

واعلم ان التضعيف مستثقل وأن رفع اللسان عنه مرة واحدة ثم العودة إليه فليس كرفع اللسان عنه وعن الحرف الذي مخرجه ولا فصل بينهما فلذللك وجب وقوم من العرب إذا وقع التضعيف أبدلوا والياء من الثاني لئلا يلتقى حرفان من جنس واحد، لأن الكسرة بعض الياء، وأن الياء تغلب على الواو رابعةٌ فما فوقها حتى تصيرها ياءً، ولا يكون إلا ذلك. وقد مضى هذا.

وذلك قولهم في تقضضت: تقضينت، وفي أملت: أمليت. وذكلك تسريت في تسررت والدليل على أن هذا إنما أبدل لاستثقال التضعيف قولك: دينار، وقيراط، والأصل دنارٌ وقراط. فأبدلت الياء للكسرة، فلما فرقت بين المضاعفين رجع الصل فقلت دنانير، وقراريط، وقريريط.

٥٥ / ٢٨٤