الهمز
الجزء ١ · صفحة ٣٤والهاء خفية تقارب مخرج الألف، والهمزة تحتهما جميعاً. أعني الهمزة المحققة فلتباعدها من الحروف، وثقل مخرجها، وأنها نبرة في الصدر، جاز فيها التخفيف، ولم يجز أن تجتمع همزتان في كلمة سوى ما نذكره فيالتقاء العينين اللتين بنية الأولى منهما السكون، ولا يجوز تحريكها في موضع البتة .
فإذا كانت الهمزة مفتوحة وقبلها فتحة وأردت تحقيقها قلت: قرأ الرجال، وسأل عبد الله. كذا حق كل همزة إذا لم ترد التخفيف .
فإن أردت التخفيف نحوت بها نحو الألف، لأنها مفتوحة، والفتحة من مخرج الألف. فقلت: قرأ يا فتى .
والمخففة بوزنها محققةً، إلا أنك خففت النبرة ؛ لأنك نحوت بها نحو الألف، ألا ترى أن قوله:
أان رأت رجلاً دعشى أضر به
في وزنها لو حققت فقلت: أأن. وتحقيقها إذا التقتا ردئ جداً، ولكني ذكرته ؛ لأمثل لك .
فإن كانت قبلها فتحةٌ وهي مضمومة نحوت لها نحو الواو، لأن الضمة من الواو في محل الفتحة من الألف. وذلك قولك: لؤم الرجل إذا حققت، فإذا خففت قلت: لوم الرجل الوزن واحد على ما ذكرت لك.
فإن كانت مكسورةٌ وما قبلها مفتوحٌ نحوت نحو الياء، وذلك يئس الرجل. والمخففة - حيث وقعت - بوزنها محققة، إلا أن النبر بها أقل، لأنك تزيحها عن مخرج الهمزة المحققة.
فإن كانت مضمومة وقبلها فتح أو كسر، فهي على ما وصفنا ينحى بها نحو الواو.
وكذلك المكسورة ينحى بها نحو الياء، مع كل حركة تقع قبلها.
فأما المفتوحة فإنه إن كانت قبلها كسرة جعلت ياءً خالصة، لنه لا يجوز أن ينحى بها نحو الألف، وما قبلها مكسور، أو مضموم، لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا. وذلك قولك في جمع مئرة من مأرت بين القوم: أي أرشت بينهم: مئر. فإن خففت الهمزة قلت: مير، تخلصها ياءً. ولا يكون تخفيفها إلا على ما وصفت لك للعلة التي ذكرنا.
وإن كان ما قبلها مضموما وهي مفتوحة جعلت واوا خالصة والعلة فيها العلة في المكسور ما قبلها إذا انفتحت. وذلك قولك في جمع جؤنة: جؤن مهموز.
فإن خففت الهمزة أخلصتها واو، فقلت: جون.
واعلم أن الهمزة إذا كانت ساكنة فإنه تقلب - إذا أردت تخفيفها - على مقدار حركة. ما قبلها وذلك قولك في رأس، وجؤنة وذئب، - إذا أردت التخفيف - : راس، وجونة، وذيب، لأنه لا يمنكنك أن تنحو بها نحو حروف اللين، وأنت تخرجها من مخرج الهمزة إلا بحركة منها، فإذا كانت ساكنة فإنما تقلبها على ما قبلها. فتخلصها ياءً، أو واوا، أو ألفا.
وكان الأخفش يقول: إذا انضمت الهمزة وقبلها كسرة قلبتها ياءً، لأنه ليس في الكلام واو قبلها كسرة، فكان يقول في يستهزئون - إذا خففت الهمزة - : يستهزيون.
وليس على هذا القول أحد من النحويين. وذلك: لأنهم لم يجعلوها واوا خالصة ،إنما هي همزة مخففة، فيقولون: يستهزيون، وقد تقدم قولنا في هذا.
واعلم أنه ليس من كلامهم أن تلتقى همزتان فتحققا جميعاً، إذا كانوا يحققون الواحدة. فهذا قول جميع النحويين إلا عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، فإنه كان يرى الجمع بين الهمزتين، وسأذكر احتجاجه وما يلزم على قوله بعد ذكرنا قول العامة.
النحويون إذا اجتمعت همزتان في كلمتين كل واحدة منهما في كلمة تخفف إحداهما فإن كانتا في كلمة واحدة أبدوأ الثانية منهما، وأخرجوها من باب الهمزة.
أما ما كان في كلمة، فنحو قولهم: آدم، جعلوا اثانية ألفا خالصة، للفتحة قبلها.
وقالوا في جمعه: أوادم، كما قالوا في جمع خالد: خوالد، فلم يرجعوا بها إلى الهمز. وقالوا في فاعِل من جئت، ونحوه: جاءٍ كما ترى، فقلبوا الهمزة ياءً، لأنها في موضع اللام من الفعل، وموضع العين تلزمه الهمزة لاعتلاله ؛ كما قلت في فاعِل من يقول: قائل. فلما التقت الهمزتان في كلمة قلبوا الثانية منهما على ما وصفنا.
فإذا كانتا في كلمتين فإن أبا عمرو بن العلاء كان يرى تخفف الأولى منهما وعلى ذلك قرأ في قوله عز وجل " فقد جاء أشراطها " إلا أن يبتدأ بها ضرروة كامتناع الساكن.
وكان يحقق الأولى إذا قرا " ألد وأنا عجوزٌ " ويخفف الثانية، ولا يلزمها البدل، لأن ألف الاستفهام منفصلة، وكان الخليل يرى تخفيف الثانية على كل حال، ويقول: لأن البدل لا يلزم إلا الثانية، وذلك لأن الأولى يلفظ بها، ولا مانع لها، والثانية تمتنع من التحقيق من أجل الأولى التي قد ثبتت في اللفظ.