المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

الهمز

الجزء ١ · صفحة ٣٥

وقول الخليل أقيس، وأكثر النحويين عليه.

فأما ابن أبي إسحق فكان يرى أن يحقق في الهمزتين، كما يراه في الواحدة، ويرى تخفيفها على ذلك، ويقول: هما بمنزلة غيرهما من الحروف، فأنا أجريهما على الأصل، وأخفف إن شئت استخفافا، وإلا فإن حكمهما حكم الدالين، وما أشبههما. وكان يقول في جمع خطيئة - إذا جاء به على الأصل - : هذه خطائىء ويختار في الجمع التخفيف، وأن يقول: خطايا، ولكنه لا يرى التحقيق فاسدا.

واعلم أن الهمزة المتحركة إذا كان قبلها حرف ساكن فأردت تخفيفها، فإن ذلك يلزم فيه أن تحذفها، وتلقى حركتها على الساكن الذي قبلها، فيصير الساكن متحركا بحركة الهمزة.

وإنما وجب ذلك ؛ لأنك إذا خففت الهمزة جعلتها بين بين، قد ضارعت بها الساكن، وإن كانت متحركة.

ووجه مضارعتها أنك لا تبتدئها بين بين ؛ كما لا تبتدىء ساكنا. وذلك قولك: من ابوك، فتحرك النون، وتحذف الهمزة، ومن اخوانك.

وتقرأ هذه الآية إذا أردت التخفيف " الله الذي يخرج الخب في السماوات " وقوله " سل بني إسرائيل " .

إنما كانت اسأل فلما خففت الهمزة طرحت حركتها على السين، وأسقطتها، فتحركت السين، فسقطت ألف الوصل. ومن قال: هذه مرأة كما ترى فأراد التخفيف قال: مرة فهذا حكمها بعد كل حرف من غير حروف اللين.

فأما إذا كانت بعد ألف، أو واو، أو ياءٍ فإن فيها أحكاما: إذا كانت الياء، و الواو مفتوحا ما قبلهما فهما كسائر الحروف. تقول في جيأل: جيل.

وكذلك إذا كانت واحدة منهما اسما، أو دخلت لغير المد واللين.

وتقول في فَوْعَل من سألت: سوأل فإن أردت التخفيف قلت: سول كما قلت في الياء.

وكذلك ما كنت فيه واحدة منهما اسما، وإن كان قبل الواو ضمة. أو قبل الياء كسرة. تقول في اتبعوا أمره: اتبعو مره، وفي اتبعى أمره: اتبعى مره، وفي اتبعوا إبلكم: اتبعى بلكم.

لا تبالى أمفتوحةً كانت الهمزة، أم مضمومة، أم مكسورة.

فإن كانت الياء قبلها كسرة وهي ساكنة زائدة لم تدخل إلاّ لمدّ، أو كانت واو قبلها ضمة على هذه الصفة لم يجز أن تطرح عليها حركة، لأنه ليس مما يجوز تحريكه وذلك نحو: خطيئة، ومقروءة، فإن تخفيف الهمزة أن تقلبها كالحرف الذي قبلها، فتقول في خطيئة: خطيّة، وفي مقروءة: مقروّة.

وإنما فعلت ذلك ؛ لأنك لو ألقيت حركة الهمزة على هذه الياء وهذه الواو لحرّكت شيئا لا يجوز أن يتحرك أبدا ؛ لأنها للمد، فهو بمنزلة الألف، إلا أن الإدغام فيه جائز، لأنه مما يدغم، كما تقول: عدو، ودلى، ومغزو، ومرمى. وأما الألف فإن الإدغام فيها محال وهي تحتمل أن تكون الهمزة بعدها ببن بين، كما.

احتملت الساكن المدغم في قولك: دابة، وشابة ؛ لأن المدة قد صارت خلفا من الحركة، فساغ ذلك للقائل. ولولا المد لكان جمع الساكنين ممتنعا في اللفظ.

فتقول - إذا أردت اتبعا أمره فخفّفت - : اتبعا امره فتجعلها بين بين. وكذلك مضى إبراهيم، وجزى أمه، لأن الألف لا تكون إلا ساكنة، فلو طرحت عليها الحركة لخرجت من صورتها، وصارت حرفا آخر.

وتقول في نبيء - إذا خففت الهمزة - نبي كما ترى. هكذا يجري فيما لم تكن حروف ليّنة أصلية، أو كالأصلية.

وهم في نبيء على ثلاثة أضرب: أما من خفف فقال نبي وجعلها كخطية فإنه يقول: نباء، فيردها إلى أصلها ؛ لأنها قد خرجت عن فعيل، كما قال:

يا خاتم النبآء إنك مرسلٌ … بالحق كل هدى السبيل هداكا

ومن قال: نبي فجعلها بدلا لازما، كقولك: عيد وأعياد، وكقولك: أحد في وحد فيقول أنبياء، كما يقول: تقي وأتقياء، وشقي وأشقياء، وغني وأغنياء.

وكذلك جمع فَعِيل الذي على هذا الوزن.

وكذلك يقول من أخذه من قولك: نبا ينبو، أي مرتفع بالله، فهذا من حروف العلة، فحقّه على ما وصفت لك.

وإن خففت الهمزة من قولك: هو يجيئك، ويسوءك قلت: يجيك، ويسوك، تحرك الياء والواو بحركة الهمزة، لأنهما أصلا في الحروف. فهذا يدلك على ما يرد عليك من هذا الباب.

واعلم أنه من أبى قول ابن أبي إسحق في الجمع بين الهمزتين فإنه إذا أراد تحقيقهما أدخل بينهما ألفا زائدة، ليفصل بينهما، كالألف الداخلة بين نون جماعة النساء، والنون الثقيلة إذا قلت: اضربنان زيدا.

فتقول: " آئذا كنا ترابا " وتقول: " آأنت قلت للناس " ومثل ذلك قول ذي الرمة:

٣٥ / ٢٨٤