الهمز
الجزء ١ · صفحة ٣٦فياظبية الوعساء بين جلاجلٍ … وبين النّقا آأنت أم أم سالم
وإنما نذكر هاهنا من الهمزة ما يدخل في التصربف.
اعلم أن الهمزة التي للاستفهام إذا دخلت على ألف وصل سقطت ألف الوصل ؛ لأنه لا أصل لها، وإنما أتي بها لسكون ما بعدها، فإذا كان قبلها كلام وصل به إلى الحرف الساكن سقطت الألف وقد تقدم القول في هذا، إلا الألف التي مع اللام فإنك تبدل منها مدة مع ألف الاستفهام، لأنها مفتوحة، فأرادوا ألا يلتبس الاستفهام بالخبر. وذلك قولك - إذا استفهمت - : آبن زيد أنت ؟، " آتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار " .
وألف ايم التي للقسم، و ايمن بمنزلة ألف اللام: لأنها مفتوحة وهي ألف وصل. فالعلة واحدة.
وكل ما كان بعد هذا فما ذكرناه دال عليه.
فإذا التقت الهمزتان بما يوجبه البناء نحو بنائك من جئت مثل فَعْلَل قلبت الثانية ألفا، لانفتاح ما قبلها، كما وصفت لك في الهمزتين إذا التقتا: من أنه واجب أن تقلب الثانية منهما إلى الحرف الذي منه الحركة، وأنهما لا تلتقيان في كلمة واحدة فيقرا جميعا، فتقول: جيأى على وزن جيعىً.
فإن قال قائل: فما بالك تجمع بين الهمزتين في كلمة واحدة إذا كانتا عينين في مثل فعّل وفَعّال. وذلك قولك: رجل سئال وقد سئل فلان. ولا تفعل مثل ذلك في مثل جعفر، وقمطر ؟.
فالجواب في هذا قد قدمنا بعضه، ونرده هاهنا ونتمه.
إنما التقت الهمزتان إذا كانت عينين فيما وصفنا. لأن العين إذا ضوعفت فمحال أن تكون الثانية إلا على لفظ الأولى، وبهذا علم أنهما عينان. ولولا ذلك لقيل: عين، ولام، ومع هذا أن العين الأولى لا تكون في هذا البناء إلا ساكنة، وإنما ترفع لسانك عنهما رفعةً واحدة للإدغام.
فإن قال: فأنت إذا قلت: قمطر فاللام الأولى ساكنة، فهلاّ وجب فيها وفي التي بعدها ما وجب في العينين ؟ قيل: من قبل أن اللام لا تلزمه أن تكون اللام التي بعدها على لفظها، وإن جاز أن تقع .
ولكن العين هذا فيها لازم، ألا ترى أن قمطرا مختلفة اللامين بمنزلة جعفر، ونحوه .
فإذا قلت من قرأت مثل قمطر قلت: قِرَأْيٌ فاعلم، تصحح الياء، لأنه لا تلتقي همزتان .
فإن قيل: فلم قلبتها ياءً وليست قبلها كسرة ؟.
فإنما ذلك، لأنك إذا قلبتها إلى حروف اللين كانت كما جرى أصله من حروف اللين. فالياء، والواو إذا كانت واحدة منهما رابعةً فصاعدا. أصليةً كانت أو زائدة، فإنما هي بمنزلة ما أصله ياء ؛ ألا ترى أن أغزيت، وغازيت على لفظ. راميت، وأحييت .
وقد تقدم قولنا في هذا. ونعيد مسائل الهمز مع غيرها مما ذكرنا أصوله في موضع المسائل والتصريف إن شاء الله .
واعلم أن قوماً من النحويين يرون بدل الهمزة من غير علة جائزاً، فيجيزون قريت، واجتريت في معنى قرأت، واجترأت .
وهذا القول لا وجه له عند أحد ممن تصح معرفته، ولا رسم له عند العرب .
ويجيز هؤلاء حذف الهمزة لغير علة إلا الاستثقال .
وهذا القول في الفساد كالقول الذي قبله .
وهم يقولون في جمع بريء الذي هو براء على كريم وكرماء، وبراء على كريم وكرام. فهؤلاء الذين وصفنا يقولون براء فاعلم، فيحذفون الهمزة من برآء، ويقولون: الهمزة حرف مستثقل، فنحذفه ؛ لأن فيما أبقينا دليلا على ما ألقينا.
ويشبهون هذا بفاعِل إذا قلت: رجل شاكٌ السلاح.
وليس ذا في ذاك من شيءٍ، لأنه من قال: شاكٌ السلاح فإنما أدخل ألف فاعِل، وبعدها الألف التي في الفعل المنقلبة وهي عين، فتحذف ألف فاعِل، لالتقاء الساكنين.
وقد قال لهم بعض النحويين: كيف تقولون في مضارع قريت. ؟ فقالوا: أقرا - فقد تركوا قولهم من حيث لم يشعروا ؛ لأن من قلب الهمزة فأخلصها ياءً لزمه أن يقول: يقري، كما تقول: رميت أرمى ؛ لأن فعَل يَفْعَل إنما يكون في حروف الحلق.
ولو جاز أن تقلب الهمزة إلى حروف اللين لغير علة لجاز أن تقلب الحروف المتقاربة المخارج في غير الإدغام ؛ لأنها تنقلب في الإدغام ؛ كما تنقلب الهمزة لعلة. فإن فُعِل هذا لغير علة فليفعَلْ ذلك.
ولكن إذا اضطر الشاعر جاز أن يقلب الهمزة عند الوقف على حركة ما قبلها، فيخلصها على الحرف الذي منه حركة ما قبلها ؛ كما يجوز في الهمزة الساكنة من التخفيف إن شئت. فمن ذلك قول عبد الرحمن بن حسان:
وكنت أذل من وتدٍ بقاعٍ … يشجج رأسه بالفهر واجى