تصرف الفعل إذا اجتمعت فيه حروف العلة
الجزء ١ · صفحة ٤١ونحن ذاكرو ما تلتقى لامه، وعينه - على لفظ واحد بجميع علله من الصحيح، ثم نرجع إلى المعتل إن شاء الله.
إذا قلت: فَعِل أوفعَل مما عينه ولامه سواء فكان الحرفان متحركين ؛ فإنه يلزمك أن تسكن المتحرك الأول، فتدغمه في الذي بعده ؛ لأنها لفظ واحد، فلا يقع في الكلام التباين. وذلك قولك: رد، وفر، وعض، وردوا، وفروا .
فإن سكن الثاني ظهر التضعيف. وإنما يظهر لأن الذي بعده ساكن، فإن أسكنته جمعت بين ساكنين.
لذلك تقول: رددت، وفررت، وتقول: لم يرددن ولم يفررن ؛ لأن ما قبل نون جماعة النساء لا يكون إلا ساكنا ؛ لما قد تقدم ذكره. وكذلك ما قبل التاء إذا عني بها المتكلم نفسه، أو مخاطبه.
وتقول: ردا لا غير ؛ لأن الثانية تتحرك.
فإذا أمرت الواحد فقلت: افْعَلْ من هذه المضاعفة فأنت مخير إن شئت قلت: اردد ؛ كما تقول: أقتل. وتقول: إعضض ؛ كما تقول: إذهب. وتقول: إفرر ؛ كما تقول: إضرب. وهذا أجود الأقاويل.
وقد يجوز أن تقول: فرّ، رد، غض. فإذا قلت ذلك فإنما طرحت حركة العين على الفاء، فلما تحركت الفاء سقطت ألف الوصل، وقد التقى في الوقف ساكنان، فإذا وصلت فكان الحرف من باب يَفْعُل فأنت في تحريكه مخير: يجوز فيه الوجوه الثلاثة: تقول: غض يا فتى، وغض، وغض.
أما الكسر فعلى أنه أصل في التقاء الساكنين.
وأما الضم فللإتباع. وأما الفتح فلأنه أخف الحركات ؛ لأنك إنما تحرك الآخر لالتقاء الساكنين.
فإن كان من باب مسّ جاز فيه الفتح من وجهين: لخفته، والإتباع. وجاز الكسر لما ذكرت لك.
وإن كان من باب فرّ جاز فيه الكسر من وجهين: للإتباع، ولأنه أصل التقاء الساكنين. وجاز الفتح لخفته.
وإنما جاز في هذا ما لم يجز فيما قبله مما تحرك منه الأول، لأن هذا أصله الحركة، وإنما سكن للجزم، وليس السكون لازما له ؛ لأنك لو ثنيته أو جمعته أو أنثته، للزمته الحركة ؛ نحو: ردا، وردوا، وردى.
وكذلك إن أدخلت فيه النون - الخفيفة، أو الثقيلة.
وما كان قبل التاء، والنون التي لجماعة المؤنث لم يكن إلا ساكنا لا تصل إليه الحركة، فلما كان كذلك كان تحريكه تحريك اعتلال، ولك يكن كما قد تقدّمنا في ذكره.
فان لقيه ساكن بعده اختير فيه الكسر.
ولا أراه إذا حرك للذي بعده في التقدير يجوز فيه إلا الكسر.
فان قدر تحريكه لما قبله جازت فيه الوجوه كلها، على ما تقدّمنا بذكره. وذلك قولك: ردّ الرجل، وغض الطرف. وإن شئت قدّرته لما قبله فقلت في المضموم بالأوجه الثلاثة، كما كان من قبل أن يدخل الساكن الذي بعده. وقلت في المفتوح بالفتح والكسر.
وكذلك المكسور. وهذا البيت ينشد على الأوجه الثلاثة لما ذكرنا وهو:
فغض الطرف إنك من نميرٍ … فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وكذلك الذي بعده وهو:
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى … والعيش بعد أولئك الأيام
فعَلى ما ذكرت لك مجرى هذا الباب. وقد تقدم قولنا في ذوات الياء و الواو المضاعفة، ثم ذكرنا ذا. ونعود إلى استقصاء ما فيها إن شاء الله.
اعلم أنه لا يقع في الأفعال ما تكون عينه ياء ولامه واوا، ولكن تكون عينه واوا، ولامه ياء، وذلك نحو: شويت، ولويت، وطويت. ويلحق به ما كانت عينه ولامه واوين، لأنه يبنى على فَعِلت، فيصير لامه بمنزلة ما أصله الياء، نحو: حويت، وقويت.
فأما قولهم: حيوان في الاسم فقد قيل فيه قولان: قال الخليل: الواو منقلبة من ياءٍ، لأنه اسم، فخروجه عن الفعل كخروج آية، وبابها .
وقال غيره: اشتاق هذا من الواو لو كان فعلا، ولكنه لا يصلح لما تقدمنا بذكره.
ونظيره في هذا الباب على هذا القول جبيت الخراج جباية، وجباوة، وليس من جباوة فِعْل.
ومثل ذلك فاظ الميت فيظاً وفوظا، وليس من فوظ فِعْل.
ولذلك ظهر على الأصل ليدل على أصله.
وقد تقدم قولنا في أنه لا تظهر واوان مجتمعين إذا كانت إحداهما طرفا، ولا يقع في الكلام ما موضع فائه واو، ولامه واو، نحو وعوت. ونحن ذاكرو ما يتصل به إن شاء الله.
إذا بنيت من الغزو فَعَلَلْت قلت: غزويت. ولم يجز إلا ذلك ؛ لأنها في المضارع يغزوي على ما ذكرنا من الباب.
ولو لم يكن ذلك لوجب ألا تجتمع واوان ؛ ألا ترى أنهم يذهبون بفَعَلْت من الواو إلى فِعِلت في نحو قويت وحويت ؛ لئلّ يجتمع واوان.