مصطفين
الجزء ١ · صفحة ٥٨فإذا قلت: المال لزيد كسرتها ؛ لئلا تلتبس بلام الابتداء، ولم تكن الحركة فيها إعرابا فيسلمها على ما خيلت .
وموضع الالتباس أنك لو قلت: إن زيدا لهذا، وإن عمرا لذاك، وأنت تريد لام الملك، لم يدر السامع أيهما أردت: إن زيدا في ملك ذاك، أو إن زيدا ذاك ؟ فإذا كسرت فقلت: إن زيدا لذاك، علم أنه في ملكه، وإذا قلت: إن زيدا لذاك، علم أن زيدا ذاك.
وكذلك الأسماء المعربة إذا وقفت علها فقلت: إن هذا لزيد لم يدر أهو زيد أم هو له ؟ فإن قال قائل: فلم لا يكون ذلك في الباء ؟ قيل لأن الباء لا يشركها مثلها فتخاف لبسا ؛ فبنيتها أبدا الكسر مع الظاهر والمضمر. تقول مررت بزيد، وبك، وبه، وبهم.
كما أن بنية الكاف الفتح إذا قلت: لست كي ؟ فإنما ذاك ؛ لأن ياء الإضافة تحول كل حركة إلى كسرة. تقول: هذا غلامي، وضربت غلامي، والمال لي.
فأما أمنك الالتباس في اللام مع المضمر ؛ فإنما ذاك لأن ضمير الرفع لا يلتبس بضمير الجر. تقول: إن هذا لك، وإن هذا لأنت، وإن هؤلاء لنحن. فلاختلاف اللفظين أمن الالتباس.
قال: وكنا ذكرنا في صدر هذا الكتاب أمر الأفعال، والأسماء، ووعدنا أن نخبر لم كانت الأسماء على ثلاثة أنحاءٍ لا زيادة فيها: على ثلاثة أحرف، وأربعة، وخمسة ؟ وكانت الأفعال على ضربين: على ثلاثة، وأربعة. ولم يكن في الأفعال شيء على خمسة أحرف كلها أصلى. فهذا وقت تفسيره وموضعه.
للنحويين في هذا أقاويل يقارب بعضها بعضا.
يقولون: الأسماء أمكن من الأفعال ؛ فلذلك كان لها على الأفعال فضيلة تمكنها، وأن الأفعال تبع لها .
فقلنا في تفسير قول هؤلاء: الدليل على صحة ما قالوا أن الأسماء الثلاثية تكون على ضروب من الأبنية تلحقها أبنية الأفعال ؛ لأن أبنية الأفعال إنما: هي فَعَل، وفَعِل، وفَعُل ومضارعاتها: يَفْعُلْ، ويَفْعِل، ويَفْعَل.
والأسماء تكون على فَعَل ؛ نحو: جمل وجبل، وعلى فَعِل ؛ نحو: فخذ وكتف، وعلى فَعُل ؛ نحو: رجل وعضد.
وتكون الأسماء مفردة بفِعَل ؛ نحو: ضلع وعوض، وبفُعُل نحو: خضض، وعنق.
وتكون سواكن الأوساط ؛ نحو: فهد، وكلب، ونحو: جذع، وعدل، ونحو: برد، وخرج.
ويكون في المتحركة، نحو: إبل، وإطلٍ.
فإذا صرت إلى الأربعة لم تكن الأفعال بغير زائدة إلا على فَعْلَلَ ؛ نحو: دحرج، وسرهف، وهملج. فهذا نظيره في الأسماء جعفر، وصندل، وفرقد.
وتكون في الأسماء على فِعْلَل ؛ نحو: درهم، وهجرع.
وفُعْلُل نحو: حبرج وترتم، وفِعْلِل نحو: زبرج، وزئبر.
فلذلك كان في الأسماء مثل سفرجل، وجحمرش، وجردحل، وقذعمل.
فزادت هذه الأبنية كما زادت ما ذكرت لك. وإنما ذكرت لك رسما وبقيت أشياء ؛ لأنى إنما أردت بما بينت الإيضاح لهذا الأصل الذي ذكرته.
وقال قوم: الأفعال تلزمها الزوائد، وتتصرف بها، فيلزمها حروف المضارعة وغير ذلك من الزوائد ؛ كما لحق الأربعة التاء في تدحرج، وألف الوصل والنون، في احرنجم، ونحوه، وتضعيف اللام في قولك: اقشعر، واطمأن، فكرهو أن يبلغوا بها الخمسة، فتلزمها الزوائد فتخرج عن المقدار، وتصير إلى ما يستثقل. والأسماء لا يكره ذلك فيها ؛ لأن الزوائد غير لازمة لها، وإن كانت قد تدخل في بعضها وليس في بمنزلة اللازم للمعاني.
ألا ترى أن قولك: اقتدر، واستخرج، وقاتل، واغدودن، واعلوط قد خرجت هذه الأفعال إلى معانٍ بالزوائد، لولا هذه الزوائد لم تعلم.
إذا قلت: استخرج فمعناه: أنه طلب أن يخرج إليه.
وإذا قلت: فاعَلَ وجب أن يكون الفعل من اثنين.
وإذا قلت: فَعّلَ فقد كثرت الفعل.
والأسماء لا يكون فيها شيء من هذا إلا التي تبنى على أفعالها ؛ نحو: مستخرج، ومنطلق، فإنها بعد راجعة إلى الأفعال.
وقال قوم: لما كانت الأسماء هي التي يخبر عنها، وإنما الأفعال آلة لها، جعلت لها على الأفعال فضيلة تبين بها حال تمكنها.
وكل الأقاويل حسن جميل. وهذا الأخير قول المازني .
باب
مصطفين
قال أبو العباس: وهذا أيضا مما لم يفسر.
إذا كان الاسم مقصورا فإنما تأويل قصره أن يكون آخره ألفا، والألف لا تدخلها الحركات، و لا تكون أصلا، وإنما هي منقلبة من ياءٍ أو واو، أو تكون زائدة .
فأما المنقلبة ؛ فنحو ألف قفا، وإنما هي واو قفوت، وحصى إنما هي منقلبة عن ياءٍ .
تقول إذا جمعت: حصيات ؛ كما أنها في الفعل كذلك.