المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

لأن اللبس فيه مأمون

الجزء ١ · صفحة ٥٦

واعلم أن الشعراء إذا اضطروا إلى إسكان حرف مما هو متحرك فلم يصلوا إلى ذلك أبدلوا منه الياء إذا كانت قبله كسرة، لأن الياء إذا كانت كذلك لم تحرك، فيسلم الإعراب، ويصح الوزن، وذلك وقوله:

لها أشارير من لحمٍ تتممره … من الثعالى ووخزٌ من أرانيها

لم يجز أن يذكر الباء في الثعالب، ويحركها فينكسر الشعر، فأبدل الياء لما ذكرت لك. ومثله:

ومنهل ليس له حوازق … ولضفادى جمه نقانق

هذا باب

ما يحذف استخفافاً

لأن اللبس فيه مأمون

وذلك أن للأشياء أصولا، ثم يحذف منها ما يخرجها عن أصولها.

فمن هذا المحذوف ما يبلغ الشيء أصله.

ومنه ما يحذف لأن ما يبقى دال عليه وإن يكن ذلك أصله.

فأما ما يبلغ به أصله فإن كناية المجرور في الكلام ككناية المنصوب، وذلك لأن الأصل الرفع. وهو الذي لا يتم الكلام إلا به ؛ كالابتداء والخبر، والفعل والفاعل.

وأما المنصوب والمخفوض لما خرجا إليه عن هذا المرفوع.

فلذلك اشتركا في التثنية والجمع، نحو: مسلمَين، ومسلمِين، ومسلمات.

ولذلك كان ما لا ينصرف إذا كان مخفوضا فتح، وحمل على ما هو نظير الخفض، نحو: مررت بعثمان، وأحمر يافتى.

وذلك قولك في الكناية: ضربتك، ومررت بك، وضربته، ومررت به وضربتهم، وعليهم واحد.

وتقول: هذا غلامي، وهذا الضاربي فيستويان، فإذا قلت: ضربني، زدت نونا على المخفوض، ليسلم الفعل، لأن الفعل لا يدخله جر ولا كسر.

فإنما زدت هذه النون ليسلم، لأن هذه الياء تكسر ما وقعت عليه. فإن قلت: قد قلت: الضاربي والياء منصوبة، فإنما ذلك، لأن الضارب اسم فلم يكره الكسر فيه.

والدليل على أن الياء منصوبة قولك: الضارب زيدا .

فإن قلت: فقد يدخل الفعل الكسرة في قولك: اضرب الرجل، فإنما ذلك لالتقاء الساكنين وليس بلازم، وإنما كسروا ليعلموا أنه عارضٌ في الفعل، إذا لم يكن من إعرابه.

ونظير زيادة هذه النون في المنصوب قولهم في المجرور: منى، وعنى، وقدني.

زادوا النون، ليسلم ما قبلها على سكونه، كما سلم الفعل على فتحه، فقد زيدت في المجرور كما زيدت في المنصوب.

ولو كان آخر الاسم متصرفا بالحركة لم تزد، نحو قولك :هذا هنى، ودمى.

فالذي ذكرنا مما يحذف قولك: إنني، وكأنني، ولعلني، أن هذه الحروف مشبهة للفعل مفتوحة الأواخر، فزدت فيها النون، كنما زدتها في الفعل لتسلم حركاتها.

ويجوز فيهن الحذف فتقول: إني، وكأني، ولكني.

وإنما جاز، لأن النون في إن و كأن ثقيلة، وهي مع ذلك مشبهة بالفعل وليست بأفعال، فحذفت كراهية التضعيف، وإن أثبت فلما وصفته.

فن قال قائل، فأنت تقول: لعلى، وليس في لعل نون، فإنما ذلك لأن لعل مضعفة: وهي أقرب الحروف من النون، وتعاقبها، وتدغم كل واحدة منهما في صاحبتها، وقد مضى القول في هذا.

فأما ليتني فلا يجوز حذف النون منها إلا ان يضطر شاعر فيحذفها، لأن الضرروة ترد الأشياء إلى أصولها، والأصل الياء وحدها، وليست ليت بفعل إنما هي مشبهة. فمن ذلك قوله:

تمنى مزيدٌ زيدا فلاقى … أخا ثقة ذا اختلف العوالي

كمنية جابرٍ إذ قال ليتني … أصادفه ويهلك جل مالي

فهذا من المحذوف الذي يلغ به الأصل.

ومما حذف استخفافاً لأم ما ظهر دليل عليه قولهم في كل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة، مثل بنى الحارث، وبني الهجيم وبني العنبر: هو بلعنبر، وبلجهم، فيحذفون النون لقربها من اللام لأنهم يكرهون التضعيف. فإن كان مثل بني النجار والنمر، والتيم لم يحذفوا، لئلا يجمعوا عليه علتين: الإدغام، والحذف.

ويقولون: علماء بنو فلان، يريدون: على الماء فيحذفون لام على، كما قال:

وما سبق القيسي كن ضعفٌ حيلةٍ … ولكن طفنت علماء قلفة خالد

واعلم أن كل مدغم فيما بعده إذا كانا من كلمتين فإظهار الأول جائز، لأنه غير لازم للثاني، إلا أنه في بعض أحسن منه في بعض على قدر تداني المخارج وبعدها .

فإذا لقيت التاء دالا أو طاء، كان الإدغام أحسن، لأن مخرج الثلاثة واحد، وإنما يفصل بينها أعراض فيها. وذلك قولك: ذهبطلحة، الإدغام أحسن. وكذلك هد مدارٌ زيدٍ ومثل ذلك: لم يعد تميم، ولم يعد طاهر.

٥٦ / ٢٨٤