المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

إدغام المثلين

الجزء ١ · صفحة ٤٥

تقول في فَعِلٍ: رجل طبّ، ورجل برّ، ، لأنه من بررت، وطببت، فإنما تقديره: فرقت فأنا فرق.

فاعتلال هذا كاعتلال قولك: هذا رجل خافٌ، ومالٌ إذا أردت فَعِل. وكذلك لو بنيت منه شيئا على فَعُل.

فأما الذي استثنيته فإنه ما كان من هذا على فَعَلٍ فإنه صحيح.

وذلك نحو ذلك: جَلَل، وشَرَر، وضَرَر، وكل ما كان مثله، وإنما صحّحوا هذه الأسماء ؛ لخفة الفتحة، لأنها كانت تصح فيما لا يصح فَعَلْت منه .، نحو: القَوَد، والصَيَد، والخوَنة، والحَوَكة.

فلما كانت فيما لا يكون فَعَلْت منه إلاّ صحيحا لزم أن يصحح.

هذا قول الخليل، وسيبويه، وكل نحوي بصري علمناه.

فأما قولهم في الصدر: قصّ، وقصص فليس قص مدغما من قولك: قصص ولكنهما لغتان تعتوران الاسم كثيرا. فيكون على فَعْل، وفَعَلٍ وذلك قولهم: شعْر، وشعَر، ونهْرٍ ونهَر، وصخْر وصخَر.

وحدثني أبو عثمان المازني عن الأصمعي قال: رأيت أعربيّاً بالموضع الذي ذكره زهيرٌ في قوله:

ثم استمرّوا، وقالوا إنّ مشربكم … ماء مشرقىّ سلمى فيد أوركك

فقلت: أين ركك ؟ قال هذا: رك فاعلم. هذا بمنزلة ما وصفنا. فإن لم يكن شيءٌ من هذا على مثال الفِعْل من الثلاثة فالإظهار ليس غير وذلك قولك فيما كان على مثال فُعَل: شُرَر، ودُرَر، وقُذَذ، كما قلت في الواو: سُوُر.

وما كان منه على فِعَلٍ فكذلك تقول: قِدَد، وشِدَد، وسِرَر، كما كنت تقول في الثاء والواو: ثِورة، وبِيَع، وقِيمَ، وعِودَة.

وكذلك فُعُلٌ فيه حضضٌ وسررٌ، كما كنتت تقول صيدٌ.

و:

سوك الإسحل

ولو بنيت - منه شيئا على مثال فِعِل مثل إبل لصححته، وكنت تقول: ردد فاعلم، لأنه إنما يعتل من هذا ما كان فعلا، أو على مثاله.

هذه ذوات الثلاثة. فإن زدت على الثلاثة شيئا فالتقى فيه حرفان على اللفظ لا تريد بهما الإلحاق لم يكن إلا مدغما، اسما كان أو فعلا.

وذلك قولك فيما كان فعلا إذا كان على أَفْعَل من المضعف: أَمَدّ، وأَعَدّ، وأَجَدّ في أمره.

وكذلك إن كان اسما ؛ نحو رجل ألد، ورجل أغر، وهذا أبرّ من هذا، وكان الأصل أبرر فأسكنت موضع العين، وألقيت حركته على ما قبله، لأن الذي قبله كان ساكنا، فلما أسكنته حوّلت حركته، لئلا يلتقي ساكنان، كما فعلت في الفعل المضاعف، وذوات الواو والياء في قولك: أقام، وأراد، وقد مضى تفسير هذا.

وما كان منه على فَاعَلَ فكذلك ؛ نحو قولك: عاد عبد الله زيدا، وساره، وماد يافتى ؛ ألا ترى أنك إذا عنيت به نفسك ظهر التضعيف والوزن، فقلت: عاددت زيدا، وماددته ؛ كما كنت تقول فيما كان على أفْعَل: أعددت - ؛ وأصممت زيدا، وأجررته رسنه.

فأما ما كان من هذا على فَعّلَ فإنه لا تغيير فيه. وذلك قولك: ردد عبد الله زيدا، وبدد معيزه، وذاك لأنهم لو ألقوا الحركة على ما قبلها، لم يخرجهم ذلك من إدغام واحد وتضعيف آخر، فلما كانت العلة واحدة امتنع تحريك العين التي لا تقع في الكلام قط إلا ساكنة.

وإن أردت بناء انْفَعَلَ أدغمت، وكذلك افْتَعَلَ ؛ نحو قولك: اقندّ، وارتدّ، وما كان مثلهما.

وكل ما كان من هذه الأفعال فأسماؤها مدغمة مثلها ؛ نحو قولك: منقدّ، ومرتدّ.

وكذلك رادٌّ، ومادٌّ، وموادّ، ومغارّ.

فإن قال قائل: فهلاّ ألقوا على الألف حركة ما بعدها إذا سكّنوه ؟ قيل: ؛ لأن الألف مدّة، فما فيها عِوض من الحركة على ما تقدم به قولنا من احتمالها، واحتمال ما كان مثلها الساكن المدغم ؛ لما فيها من المدة، وفيما بعدها من الاعتماد. ولو ألقيت عليها حركة لزمك أن تهمز، لأن الألف متى تحركت صارت همزة.

وتقول فيما كان من هذا على اسْتفْعَل: استَردّ، واستعدّ، ومستعدّ ؛ وفيما ذكرنا من هذه الأفعال دليل موضّح لما لم نذكره .

وما كان من الأربعة فصاعدا على غير مثال الفعل فمدغم، إلاّ أن يكون ملحقاً. وذلك نحو: مُدُقّ.

ف أما مثل مَعَدّ فليس بمسكن من شيءٍ، وإنما هو فَعَل في الأصل، ويدلك على أن الميم أصل قولهم: تمعددوا.

وفي وزن معدّ هَبَيّ، وهَيَبّة، والشَرّبّة.

ولو كان فَعْلَل لم يجز فيه الإدغام، لأنه ملحق بجعفر وما أشبهه.

ولذلك لم يدغم قَرْدَد، ومَهْدَد، ونحوهما .

فَفَعَلّ من فَعْلَل بمنزلة جُبُنّ ومن قعدد، إنما جُبُنّ فُعُلّ، ولو كان فُعْلُلا لم يدغم، لأنه ملحق بجُلْجُلٍ.

٤٥ / ٢٨٤