المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

ما يختار فيه حذف الواو والياء من هذه الهاءات

الجزء ١ · صفحة ٦٠

وتقول في الغائب: رأيته، ومررت به. ورأيتها، ومررت بها للمؤنث، ورأيتهما، ومررت بهما للمذكر والمؤنث، ورأيتهم، ومررت بهم للمذكر، ورأيتهن، ومررت بهن للمؤنث، ورأيتكن، ومررت بكن للمخاطبات، وللمذكر رأيتكم، ومررت بكم.

وكذلك تقول: هذا الضاربي، الياء في موضع نصب. وهذا الماربي، الياء في موضع خفض.

فأما قولك: ضربني، وأكرمني فإنما الاسم الياء، وهذه النون زائدة. زادوها عمادا للفعل، لأن الأفعال لا يدخلها كسر ولا جر. وهذه الياء تكسر ما قبلها.

تقول: هذا غلامي، ورأيت غلامي، فتكسر الميم التي موضعها مرفوع ومنصوب، فزيدت هذه النون، لتسلم فتحة الفعل في الماضي، وإعرابه في إعرابه.

وذلك ضربني، ويضربني، كما تفعل في الخفض إذا أردت سلامة ما قبل الباء.

تقول: مني وعني، الأن مِنْ، و عنْ لا تحرك نونهما، لأنهما حروف مبنية، وكذلك قطنى، وقدني وما كان كمثل ذلك.

وإنما زيدت النون، لأنها تزاد في الأواخر، كالتنوين الذي يلحق الأسماء، والنون الخفية والثقيلة التي تلحق الأفعال، والنون التي تزاد مع الألف في فعلان، والنون حرف أغن مضارع حروف المد والين .

هذا باب

الإضمار الذي يلحق الواحد الغائب

وتفسير أصله، وأين يجوز أن يبدل من الواو التي تلحقها الياء والعلة في ذلك ؟

فالأصل في هذا الضمير أن تتبع هاءه واو. فالاسم الهاء وحدها، والواو تلحقها لخفاء الهاء. فإذا وقفت وقفت بالهاء وحدها، لئلا يكون الزاز بمنزلة الحروف الأصلية. وذلك قولك: رأيته، وأعطيته إذا وقفت.

فإذا وصلت قلت: أعطيتهو يا رجل، وجاءني غلامهو فاعلم، ورأيت غلامهو يا فتى، ومررت بغلامهو، ومررت بهو، و " فخسفنا بهو وبدارهو الأرض " ، وعليهو مال، وهذه عصاهو يافتى، وهذا أخوهو فاعلم.

هذا الأصل في هذا كله .

فإن كان قبل هذه الهاء ياءٌ أو كسرة، كان الأحسن أن تبدل من ضمتها كسرة، لاستثقالهم الضمة بعد الياء، والكسرة، ومن الواو ياء.

وإن جئت بها على الأصل كما بدأنا به فعربي جيد .

فأما ما كانت قبلها كسرة فنحو: مررت بهى يا فتى، ونزلت في دارهى يا هذا، ونحو ذلك ، وأما ما كان بالياء فإنما يصلح إذا كانت الياء ساكنة، نحو نزلت عليهى يا فتى، وذهبت إليهى يا رجل.

وإن شئت حذفت التي بعد الهاء، لسكونها وسكون الياء، لأن الهاء التي بينهما حاجز ليس بحصين. فتقول: نزلت عليه يا فتى، وذهبت إليه فاعلم.

وكذلك تفعل بما كان مثله نحو قوله عز وجل " فألقى موسى عصاه " ، لأن هذا يشبه بالتقاء الساكنين، لخفاء الهاء.

فإن كانت الياء متحركة لم يكن ذلك، لأن الحركة حاجزة بينهما. تقول: رأيت قاضيهو يا فتى، وكلمت غازيهو فاعلم.

فإن كانت هذه الهاء لمؤنث لزمتها الألف والفتحة، للفصل بين المؤنث والمذكر، وجرى ذلك في الوقف مجراه في الوصل، لخفة الفتحة والألف، كما أنك تقول: رأيت زيدا في النصب، وتقف في الرفع والخفض بغير واو ولا ياءٍ، ذولك قولك: رأيتها، وضربتها، وهذا غازيها، ورأيت قاضيها.

هذا باب

ما يختار فيه حذف الواو والياء من هذه الهاءات

اعلم أنه إذا كان قبل هاء المذكر ياءٌ ساكنة، أو واو ساكنة، أو ألف كان الذي يختار حذف الواو والياء بعدها.

وذلك ؛ لأن قبلها حرف لين، وهي خفية، وبعدها حرف لين، فكرهوا اجتماع حرفين ساكنين كلاهما حرف لين ليس بينهما إلا حرف خفى، مخرجه مخرج الألف وهي إحدى هذه الثلاث.

وذلك قوله " فألقى موسى عصاه " " وعليه ما حمل " وفيه بصائر ورأيت قفاه يافتى.

وإن أتممت فعربى حسن، وهو الأصل، وهو الاختيار، لما ذكرت لك. فإن كا قبل الهاء حرف ساكن ليس من هذه الحروف، فإن سيبويه والخليل يختاران الإتمام.

والحذف عندى أحسن. وذلك قوله " منه آياتٌ محكماتٌ " ، ومن لدنه يا فتى، في إلا ....

وسيبويه، والخليل يختازان إتمام الواو، لما ذكرت لك، فالإتمام عندهما أجود، لأنها قد خرجت من حروف اللين تقول رأيت … يا فتى.

واعلم أن الشعراء يضطرون فيحذفون هذه الياء والواو، ويبقون الحركة، لأنها ليست بأصل كما يحذفون سائر الزوائد. فمن ذلك قول الشاعر:

فإن يك غثاً أو سمينا فإنني … سأجعل عينيهي لنفسه مقنعا

وقال الآخر:

وما له من مجدٍ قديم ولا له … من الريح حظٌ لا الجنوب، ولا الصبا

وقال:

٦٠ / ٢٨٤