وما يكون معطوفا بها على ما قبله
الجزء ١ · صفحة ٦٤هذا باب
إذن
اعلم أن إذن في عوامل الأفعال كظننت في عوامل الأسماء، لأنها تعمل وتلغى كظننت؛ ألا ترى أنك تقول: ظننت زيداً قائماً؛ وزيدٌ ظننت قائمٌ. إذا أردت زيدٌ قائم في ظني، وكذلك إذن إذا اعتمد الكلام عليها نصب بها. وإن كانت بين كلامين أحدهما في الآخر عاملٌ ألغيت ولا يجوز أن تعمل في هذا الموضع، كما تعمل ظننت إذا قلت: زيداً ظننت قائماً؛ لأن عوامل الأفعال لا يجوز فيها التقديم والتأخير؛ لأنها لا تصرف.
فأما الموضع الذي تكون فيه مبتدأة وذلك قولك إذا قال لك قائل: أنا أكرمك قلت: إذن أجزيك. وكذلك إن قال: انطلق زيد قلت: إذن ينطلق عمرو، ومثله قول الضبي:
اردد حمارك لا تنتزع سويته … إذن يرد وقيد العير مكروب
و الموضع الذي لا تكون فيه عاملةً البتة قولك: إن تأتني إذن آتك؛ لأنها داخلة بين عامل ومعمول فيه.
و كذلك أنا إذن أكرمك.
و كذلك إن كانت في القسم بين المقسم به والمقسم عليه؛ نحو قولك: والله إذن لا أكرمك. لأن الكلام معتمدٌ على القسم. فإن قدمتها كان الكلام معتمداً عليها. فكان القسم لغواً؛ نحو: إذن والله أضربك؛ لأنك تريد: إذن أضربك والله.
فالذي تلغيه لا يكون مقدماً؛ إنما يكون في أضعاف الكلام؛ ألا ترى أنك لا تقول: ظننت زيد منطلق؛ لأنك إذا قدمت الظن فإنما تبني كلامك على الشك.
و إنما جاز أن تفصل بالقسم بين إذن وما عملت فيه من بين سائر حروف الأفعال لتصرفها، وأنها تستعمل وتلغى، وتدخل للابتداء، ولذلك شبهت بظننت من عوامل الأسماء.
و اعلم أنها إذا وقعت بعد واو أو فاءٍ، صلح الإعمال فيها والإلغاء، لما أذكره لك وذلك قولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمك. إن شئت رفعت،و إن شئت نصبت. وإن شئت جزمت.
أما الجزم فعلى العطف على آتك وإلغاء إذن. والنصب على إعمال إذن. والرفع على قولك: وأنا أكرمك، ثم أدخلت إذن بين الابتداء والفعل فلم تعمل شيئاً.
و هذه الآية في مصحف ابن مسعود " و إذن لا يلبثوا خلفك " الفعل فيها منصوب بإذن والتقدير والله أعلم الاتصال بإذن، وإن رفع فعلى أن الثاني محمول على الأول كما قال الله عز وجل: " فإذا لا يؤتون الناس نقيراً " أي فهم إذن كذلك.
فالفاء والواو يصلح بعدهما هذا الإضمار على ما وصفت لك من التقدير، وأن تنقطع إذن بعدهما مما قبلهما. ثم يدخلان للعطف بعد أن عملت إذن. ونظير ذلك قولك: إن تعطني أشكرك وإذن أدعو الله لك. كأنه قال: إذن أدعو الله لك ثم عطف هذه الجملة على ما قبلها؛ لأن الذي قبلها كلامٌ مستغنٍ.
و قد يجوز أن تقول: إذن أكرمك إذا أخبرت أنك في حال إكرام، لأنها إذا كانت للحال خرجت من حروف النصب؛ لأن حروف النصب إنما معناهن ما لم يقع. فهذه حال إذن إلى أن نفرد باباً لمسائلها إن شاء الله.
هذا باب
الفاء وما ينتصب بعدها
وما يكون معطوفاً بها على ما قبله
اعلم أن الفاء عاطفةٌ في الفعل؛ كما تعطف في الأسماء. تقول: أنت تأتيني فتكرمني، وأنا أزورك فأحسن إليك؛ كما تقول: أنا آتيك ثم أكرمك، وأنا أزورك وأحسن إليك. هذا إذا كان الثاني داخلاً فيما يدخل فيه الأول. كما تكون الأسماء في قولك: رأيت زيداً فعمراً، وأتيت الكوفة فالبصرة. فإن خالف الأول الثاني لم يجز أن يحمل عليه فحمل الأول على معناه فانتصب الثاني بإضمار أن، وذلك قولك: ما تأتيني فتكرمني، وما أزورك فتحدثني.
إن أراد: ما أزورك، وما تحدثني كان الرفع لا غير؛ لأن الثاني معطوف على الأول.
و إن أراد: ما أزورك فكيف تحدثني؟ وما أزورك إلا لم تحدثني، على معنى: كلما زرتك لم تحدثني كان النصب؛ لأن الثاني على خلاف الأول. وتمثيل نصبه أن يكون المعنى: ما تكون مني زيارة فيكون حديثٌ منك. فلما ذهبت بالأول إلى الاسم أضمرت أن إذا كنت قد عطفت اسماً على اسم، لأن أن وما عملت فيه اسم، فالمعنى: لم تكن زيارة فإكرام، وكذلك كل ما كان غير واجب. وهو الأمر، والنهي، والاستفهام.
فالأمر: ائتني فأكرمك، وزرني فأعطيك، كما قال الشاعر:
يا ناق سيري عنقاً فسيحا … إلى سليمان فنستريحا
و النهي مثل لا تأتني فأكرمك، كقوله عز وجل: " لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب " وكقوله عز وجل: " و لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي " .