المجازاة وحروفها
الجزء ١ · صفحة ٧٠تقول: سرت حتى أدخلها، وتطلع الشمس. إذا أردت معنى إلى أن أدخلها.
فإن أردت وجه الرفع لم يجز في قولك: حتى تطلع الشمس، لأن طلوع الشمس لم يؤده فعلك. والصواب أن تقول إذا أردت الرفع: سرت حتى أدخلها، وحتى تطلع الشمس؛ لأن الدخول كان بعملك، وطلوع الشمس لا يكون بعملك. فالمعنى: سرت حتى أنا في حال دخول، وكان ذلك السير إلى أن تطلع الشمس.
و تقول: سرت حتى تطلع الشمس وحتى أدخلها، وإن شئت أدخلها.
و لو قلت: ما سرت حتى أدخلها لم يجز؛ لأنك لم تخبر بشيءٍ يكون معه الدخول.
فإن قلت: أقول: ما سرت حتى أدخلها: أي ما سرت وأنا الساعة أدخلها. قيل: ليس هذا معنى حتى. إنما معناها أن يتصل ما بعدها بما قبلها؛ كما تقول: أكلت السمكة حتى رأسها. فالرأس قد دخل في الأكل؛ لأن معناها عاملةً ومعناها عاطفةً واحدٌ وإن اختلف اللفظان.
و أما قوله عز وجل: " و زلزلوا حتى يقول الرسول " فإنها تقرأ بالنصب والرفع.
فالرفع على قوله فإذا الرسول في حال قوله.
و النصب على معنى إلى أن يقول الرسول.
و لو قلت: كان سيري حتى أدخلها لم يجز إلا النصب، لأن حتى في موضع خبر. كأنك قلت: كان سيري إلى هذا الفعل.
و لو قلت: كان سيري سيراً متعباً حتى أدخلها جاز الرفع والنصب، لأن الخبر قولك: سيراً متعباً.
و كذلك كان سيري أمس حتى أدخلها. إن جعلت الخبر حتى وما بعدها لم يكن إلا النصب، وإن جعلت الخبر في قولك: أمس، كان النصب والرفع على ما وصفت لك.
هذا باب
الحروف التي تجزم الأفعال
و هي لم ولما، ولا في النهي، واللام في الأمر، وحروف المجازاة وما اتصل بها على معناها. وذلك قولك: لم يقم عبد الله، ولم يذهب أخوك، ولا تذهب يا زيد، ولما يقم عبد الله، وليقم زيد.
و الدعاء يجري مجرى الأمر والنهي. وإنما سمي هذا أمراً ونهياً، وقيل للآخر طلبٌ للمعنى، فأما اللفظ الواحد. وذلك قولك في الطلب: اللهم اغفر لي، ولا يقطع الله يد زيد. وليغفر لخالد. فإنما تقول: سألت الله. ولا تقل: أمرت الله. وكذلك لو قلت للخليفة: انظر في أمري، أنصفني لقلت: سألته، ولم تقل: أمرته.
فأما قولك: اضرب واقتل فمبنيٌّ غير مجزوم لما قد تقدم من شرحنا له، ومن أنه ليس فيه حرف من حروف المضارعة التي يجب بها الإعراب.
فاللام في الأمر للغائب ولكل من كان غير مخاطب، نحو قول القائل: قم ولأقم معك. فاللام جازمة لفعل المتكلم.
و لو كانت للمخاطب لكان جيداً على الأصل، وإن كان في ذلك أكثر،لاستغنائهم بقولهم: افعل عن لتفعل. وروي أن رسول الله قرأ: " فبذلك فلتفرحوا " بالتاء.
هذا باب
المجازاة وحروفها
و هي تدخل للشرط. ومعنى الشرط: وقوع الشيء لوقوع غيره.
فمن عواملها من الظروف: أين، ومتى، وأنى، وحيثما.
و من الأسماء: من، وما، وأي، ومهما.
و من الحروف التي جاءت لمعنى: إن، وإذما.
و إنما اشتركت فيها الحروف والظروف والأسماء لاشتمال هذا المعنى على جميعها.
فحرفها في الأصل إن وهذه كلها دواخل عليها لاجتماعها.
و كل بابٍ فأصله شيءٌ واحدٌ، ثم تدخل عليه دواخل؛ لاجتماعها في المعنى. وسنذكر إن كيف صارت أحق بالجزاء؟ كما أن الألف أحق بالاستفهام، وإلا أحق بالاستثناء، والواو أحق بالعطف مفسراً إن شاء الله في هذا الباب الذي نحن فيه.
فأما إن فقولك: إن تأتني آتك، وجب الإتيان الثاني بالأول، وإن تكرمني أكرمك، وإن تطع الله يغفر لك، كقوله عز وجل: " إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " " وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم " " و إن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم " .
و المجازاة ب إذما قولك: إذما تأتني آتك؛ كما قال الشاعر:
إذ ما أنيت على الرسول فقل له … حقاً عليك إذا اطمأن المجلس
و لا يكون الجزاء في إذ ولا في حيث بغير ما؛ لأنهما ظرفان يضافان إلى الأفعال. وإذا زدت على كل واحد منهما ما منعتا الإضافة فعملتا. وهذا في آخر الباب يشرح بأكثر من هذا الشرح إن شاء الله.
و أما المجازاة ب من فقوله عز وجل: " و من يتق الله يجعل له مخرجاً " وقوله: " فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً " .
و ب ما قوله: " ما يفتح الله للناس من رحمةٍ فلا ممسك لها " .
و ب أين قوله عز وجل: " أينما تكونوا يدرككم الموت " . وقال الشاعر: