وكيف صار الإعراب فيها دون سائر الأفعال
الجزء ١ · صفحة ٦٢فإن قيل: فلم فتحت ؟ فالجواب في ذلك أنه نون جمع فحملت على نظيرها.
ومن قال: قمتم، وضربتم لم يحذف إحدى النونين، لأنها إنما تحذف ها هنا استثقالا للضمة، والواو، ولولا ذلك لكان الأصل إثابتها، وإنما هي في المؤنث نون مدغمة، فإذا أدغمت الحرف في الحرف رفعت لسانك رفعةً واحدة .
/الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا باب
إعراب الأفعال المضارعة
وكيف صار الإعراب فيها دون سائر الأفعال؟
اعلم أن الأفعال إنما دخلها الإعراب لمضارعتها الأسماء، ولولا ذلك لم يجب أن يعرب منها شيء.
و ذلك أن الأسماء هي المعربة. وما كان غير الأسماء فمآله لها، وهي الأفعال، و الحروف.
و إنما ضارع الأسماء من الأفعال ما دخلت عليه زائدةٌ من الزوائد الأربع التي توجب الفعل غير ماض، ولكنه يصلح لوقتين: لما أنت فيه، ولما لم يقع.
و الزوائد: الألف. وهي علامة المتكلم، وحقها أن يقال: همزة.
و الياء: وهي علامة الغائب.
و التاء: وهي علامة المخاطب، وعلامة الأنثى الغائبة.
و النون، وهي للمتكلم إذا كان معه غيره. وذلك قولك: أفعل أنا، وتفعل أنت أو هي، ونفعل نحن، ويفعل هو.
و إنما قيل لها مضارعة؛ لأنها تقع مواقع الأسماء في المعنى. تقول: زيد يقوم، وزيد قائم، فيكون المعنى فيهما واحداً؛ كما قال عز وجل: " و إن ربك ليحكم بينهم " أي لحاكمٌ.
و تقول: زيد يأكل، فيصلح أن يكون في حال أكل، وأن يأكل فيما يستقبل؛ كما تقول: زيد آكلٌ. أي في حال أكل، وزيد آكلٌ غداً. وتلحقها الزوائد لمعنى؛ كما تلحق الأسماء الألف واللام للتعريف؛ وذلك قولك: سيفعل، وسوف يفعل، وتلحقها اللام في إن زيداً ليفعل في معنى لفاعل.
فالأفعال ثلاثة أصناف: منها هذا المضارع الذي ذكرناه، وفعل وما كان في معناه لما مضى، وقولك: افعل في الأمر. وهذان الصنفان لا يقعان في معاني الأسماء، ولا تلحقهما الزوائد كما تلحق الأسماء.
فأما ما كان من ذلك على فعل قلت حروفه أو كثرت إذا أحاط به معنى فعل، نحو: ضرب، وعلم، وكرم، وحمد، ودحرج، وانطلق، وقتدر، وكلم، واستخرج، واغدودن، واعلوط، وقاتل، وتقاتل، وكل ما كان في هذا المعنى، وكذلك إن بنيته بناء ما لم يسم فاعله، نحو: ضرب، ودحرج، واستخرج فهذا كله مبني على الفتح.
و كان حق كل مبنيٍ أن يسكن آخره، فحرك آخر هذا لمضارعته المعربة، وذلك أنه ينعت به كما ينعت بها.
تقول: جاءني رجل ضربنا، كما تقول: هذا رجل يضربنا، وضاربنا.
و تقع موقع المضارعة في الجزاء في قولك: إن فعلت فعلت، فالمعنى: إن تفعل أفعل. فلم يسكنوها كما لم يسكنوا من الأسماء ما ضارع المتمكن، ولا ما جعل من المتمكن في موضع بمنزلة غير المتمكن.
فالمضارع من الأسماء: من عل يا فتى لم يسكنوا اللام، لأنه في النكرة من عل يا فتى.
و المتمكن الذي جعل في موضع بمنزلة غير المتمكن قولهم: ابدأ بهذا أول ويا حكم.
و أما الأفعال التي تقع للأمر فلا تضارع المتمكن؛ لأنها لا تقع موقع المضارع، ولا ينعت بها؛ فلذلك سكن آخرها.
فإن قال قائل: هي معربة مجزومة؛ لأن معناها الأمر؛ ألا ترى أن قولك: اضرب بمنزلة قولك: ليضرب زيدٌ في الأمر فقوله ذلك يبطل من وجوه: منها قولك: صه، ومه، وقدك في موضع الأمر، وكذلك حذار، ونزال، ونحوهما، فقد يقع الشيء في معنى الشيء وليس من جنسه.
و من الدليل على فساد قوله أن هذه الأفعال المضارعة في الإعراب كالأسماء المتمكنة. والأسماء إذا دخلت عليها العوامل لم تغير أبنيتها، إنما تحدث فيها الإعراب. وكذلك هذه الأفعال تلحقها العوامل فتحدث لها الإعراب بالزوائد التي لحقتها، وهي التاء، والهمزة، والنون، والياء اللواتي في يفعل، وتفعل، ونفعل، وأفعل.
فإذا قلت افعل في الأمر لم تلحقها عاملاً؛ ولم تقررها على لفظها؛ ألا ترى أن الجوازم إذا لحقتها لم تغير اللفظ نحو قولك: لم يضرب زيد وإن تذهب أذهب، وكذلك ليذهب زيد، ولا يذهب عبد الله، فإنما يلحقها العامل وحروف المضارعة فيها.
و أنت إذا قلت: اذهب فليس فيها عامل، ولا فيها شيءٌ من حروف المضارعة.
فإن قال قائل: الإضمار يعمل فبها. قيل: هذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن الفعل لا يعمل فيه الإضمار إلا أن يعوض من العامل.