الأفعال التي تنجزم لدخول معنى الجزاء فيها
الجزء ١ · صفحة ٧٧فقوم يقولون: " فأما من أوتي كتابه بيمينه " هو الجواب، لأن الفاء وما بعدها جواب، كما تكون جواباً في الجزاء؛ لأن إذا في معنى الجزاء. وهو كقولك: إذا جاء زيد فإن كلمك فكلمه. فهذا قول حسن جميل.
و قال قوم: الخبر محذوف؛ لعلم المخاطب. كقول القائل عند تشديد الأمر: إذا جاء زيد، أي إذا جاء زيد علمت؛ وكقوله: إن عشت، ويكل ما بعد هذا إلى ما يعلمه المخاطب. كقول القائل: لو رأيت فلاناً وفي يده السيف.
و قال قوم آخرون: الواو في مثل هذا تكون زائدة. فقوله: " إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت " يجوز أن يكون " إذا الأرض مدت " والواو زائدة. كقولك: حين يقوم زيدٌ حين يأتي عمرو.
و قالوا أيضاً: " إذا السماء انشقت أذنت لربها وحقت " . وهو أبعد الأقاويل. أعني زيادة الواو.
و من قول هؤلاء: إن هذه الآية على ذلك " فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه " قالوا: المعنى: ناديناه أن يا ابراهيم. قالوا: ومثل ذلك في قوله: " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها " . المعنى عندهم: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، كما كان في الآية التي قبلها. في مواضع من القرآن كثيرة من هذا الضرب قولهم واحد، وينشدون في ذلك:
حتى إذا امتلأت بطونكم … و رأيتم أبناءكم شبوا
و قلبتم ظهر المجن لنا … إن الغدور الفاحش الخب
قال: وإنما هو: قلبتم ظهر المجن.
و زيادة الواو غير جائزة عند البصريين، والله أعلم بالتأويل. فأما حذف الخبر فمعروف جيد من ذلك قوله " و لو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً " .
قال الراجز:
لو قد حداهن أبو الجودي
برجزٍ مسحنفر الروي
مستوياتٍ كنوى البرني
لم يأت بخبر لعلم المخاطب. ومثل هذا الكلام كثير ولا يجوز الحذف حتى يكون المحذوف معلوماً بما يدل عليه من متقدم خبر أو مشاهدة حال.
هذا باب
الأفعال التي تنجزم لدخول معنى الجزاء فيها
و تلك الأفعال جواب ما كان أمراً أو نهياً أو استخباراً، وذلك قولك: ائت زيداً يكرمك، ولا تأت زيداً يكن خيراً لك، وأين بيتك أزرك؟.
و إنما انجزمت بمعنى الجزاء؛ لأنك إذا قلت: ائتني أكرمك، فإنما المعنى: ائتني فإن تأتني أكرمك؛ لأن الإكرام إنما يجب بالإتيان. وكذلك: لا تقم يكن خيراً لك؛ لأن المعنى: فإن لم تقم يكن خيراً لك. وأين بيتك أزرك؟ إنما معناه: إن تعلمني أزرك.
و قال الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم " ثم ذكرها فقال: " تؤمنون بالله " فلما انقضى ذكرها قال: " يغفر لكم " ؛ لأنه جواب لهل.
و كذلك أعطني أكرمك. وتقول: ائتني أشكرك، والتفسير واحد. ولو قلت: لا تعص الله يدخلك الجنة كان جيداً؛ لأنك إنما أضمرت مثل ما أظهرت. فكأنك قلت: فإنك إن لا تعصه يدخلك الجنة، واعتبره بالفعل الذي يظهر في معناه؛ ألا ترى أنك لو وضعت فعلاً بغير نهي في موضع لا تعص الله لكان أطع الله.
و لو قلت: لا تعص الله يدخلك النار كان محالاً؛ لأن معناه: أطع الله. وقولك: أطع الله يدخلك النار محال.
و كذلك: لا تدن من الأسد يأكلك لا يجوز؛ لأنك إذا قلت: لا تدن فإنما تريد: تباعد، ولو قلت: تباعد من الأسد يأكلك كان محالاً؛ لأن تباعده منه لا يوجب أكله إياه. ولكن لو رفعت كان جيداً. تريد فإنه مما يأكلك.
و أما قوله: " و قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن " وما أشبهه، فليس يقولوا جواباً لقل. ولكن المعنى والله أعلم : قل لعبادي: قولوا يقولوا.
و كذلك " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة " وإنما هو: قل لهم يفعلوا يفعلوا.
و تقول: مره يحفرها، ومره يحفرها. فالرفع على ثلاثة أوجه، والجزم على وجه واحد، وهو أجود من الرفع؛ لأنه على الجواب كأنه إن أمرته حفرها.
و أما الرفع فأحد وجوهه: أن يكون يحفرها على قولك: فإنه ممن يحفرها، كما كان لا تدن من الأسد يأكلك.
و يكون على الحال، كأنه قال: مره في حال حفره. فلو كان اسماً لكان مره حافراً لها.
و يكون على شيء هو قليلٌ في الكلام، وذلك أن تريد: مره أن يحفرها، فتحذف أن وترفع الفعل؛ أن عامله لا يضمر.