المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

الواو

الجزء ١ · صفحة ٦٦

و كذلك قوله عز وجل: " و ما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر فيتعلمون " لأنه لم يجعل سبب تعليمهم قوله لا تكفر؛ كما تقول: لا تأتني فأضربك؛ لأنه يقول: إنك إن أتيتني ضربتك. وقوله: فلا تكفر حكاية عنهم، وقوله: فيتعلمون ليس متصلاً به. ولو كان كذلك كان لا تكفر فتتعلم يا فتى، ولكن هو محمول على قوله: " يعلمون الناس السحر " فيتعلمون منهم. لا يصح المعنى إلا على هذا أو على القطع أي: منهم يتعلمون.

و أما قول النابغة:

فلا زال قبرٌ بين بصرى وجاسم … عليه من الوسمي سحٌّ ووابل

فينبت حوذانا وعوفا منورا … سأتبعه من خير ما قال قائل

فإن الرفع الوجه، لأنه ليس بجواب. إنما هو فذاك ينبت حوذانا.و لو جعله جواباً لقوله: فلا زال كان وجهاً جيداً.

و تقول: لا تمددها فتشققها على العطف، فإن أردت الجواب قلت: فتشقها على ما فسرت لك.

وتقول: أين بيتك فأزورك؟ فإن أردت أن تجعله جواباً نصبت، وإن أردت أن تجعل الزيارة واقعة على حال قلت: أين بيتك فأنا أزورك على حال.

و تقول في الجزاء: من يأتني فيكرمني أعطه، لا يكون إلا ذلك؛ لأن الكلام معطوف على ما قبله.

فإن قلت: من يأتني آته فأكرمه كان الجزم الوجه، والرفع جائز على القطع على قولك: فأنا أكرمه.

و يجوز النصب وإن كان قبيحاً؛ لأن الأول ليس بواجب إلا بوقوع غيره.

و قد قرئ هذا الحرف على ثلاثة أضرب " يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء " بالجزم والرفع والنصب.

و ينشد هذا البيت رفعاً ونصباً؛ لأن الجزم يكسر الشعر وإن كان الوجه، وهو قوله:

و من يغترب عن قومه لا يزل يرى … مصارع مظلوم مجرّاً ومسحبا

و تدفن منه الصالحات وإن يسىء … يكن ما أساء النار في رأس كبكبا

و الواو والفاء في هذا سواء.

فأما قوله:

فقلت له: قرب ولا تجهدنه … فيذرك من أخرى القطاة فتزلق

فإنما هو على العطف فدخل كله في النفي. أراد: ولا يدنك، ولا تزلقن.

و تقول: إلا تأتني فتكرمني أقعد عنك.

فالجزم الوجه في فتكرمني، والنصب يجوز من أجل النفي؛ لأن معناه إلا تأتني مكرماً؛ كما قال: ما تأتيني فتحدثني. أي ما تأتني محدثاً. وعلى هذا ينشد هذا البيت:

و من لا يقدم رجله مطمئنةٌ … فيثبتها في مستوى الأرض يزلق

و اعلم أن الشاعر إذا اضطر جاز له أن ينصب في الواجب والنصب على إضمار أن. يذهب بالأول إلى الاسم على المعنى فيقول: أنت تأتيني فتكرمني. تريد: أنت يكون منك إتيان فإكرام فهذا لا يجوز في الكلام، وإنما يجوز في الشعر للضرورة؛ كما يجوز صرف ما لا ينصرف، وتضعيف ما لا يضعف في الكلام. قال:

سأترك منزلي لبني تميم … و ألحق بالعراق فأستريحا

و قال الشاعر:

لنا هضبةٌ لا ينزل الذل وسطها … و يأوي إليها المستجير فيعصما

هذا إنشاد بعضهم، وهو في الرداءة على ما ذكرت لك. وأكثرهم ينشد: ليعصما وهو الوجه الجيد.

هذا باب

الواو

اعلم أن الواو في الخبر بمنزلة الفاء، وكذلك كل موضع يعطف فيه ما بعدها على ما قبلها فيدخل فيما دخل فيه. وذلك قولك: أنت تأتيني وتكرمني، وأنا أزورك، وأعطيك، ولم آتك وأكرمك، وهل يذهب زيد، ويجيء عمرو؟ إذا استفهمت عنهما جميعاً، وكذلك: أين يذهب عمرو، وينطلق عبد الله؟ ولا تضربن زيداً، وتشتم عمراً؛ لأن النهي عنهما جميعاً.

فإن جعلت الثاني جواباً فليس له في جميع الكلام إلا معنى واحد،و هو الجمع بين الشيئين. وذلك قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. أي لا يكون منك جمع بين هذين.

فإن نهاه عن كل واحد منهما على حال: قال لا تأكل السمك وتشرب اللبن؛ لأنه أراد: لا تأكل السمك على حال ولا تشرب اللبن على حال.

فتمثيله في الوجه الأول لا يكن منك أكلٌ للسمك، وأن تشرب اللبن.

و على هذا القول لا يسعني شيءٌ ويعجز عنك لا معنى للرفع في يعجز، لأنه ليس يخبر أن الأشياء كلها لا تسعه، وأن الأشياء كلها لا تعجز عنه؛ كما قال:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

أي لا يجتمع أن تنهي وتأتي مثله. ولو جزم كان المعنى فاسداً.

٦٦ / ٢٨٤