والأفعال الممتنعة من ذلك
الجزء ١ · صفحة ٧٨و بعض النحويين من غير البصريين يجيز النصب على إضمار أن. والبصريون يأبون ذلك إلا أن يكون منها عوض؛ نحو: الفاء والواو وما ذكرناه معهما. ونظير هذا الوجه قول طرفة:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى … و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
و من رأى النصب هناك رأى نصب أحضر.
فأما قول الله عز وجل: " قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون " فتقديره والله أعلم : قل أفغير الله أعبد فيما تأمروني. ف غير منصوب ب أعبد.
و قد يجوز وهو بعيد على قولك: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى، فكأن التقدير: قل أفغير الله تأمروني أعبد. فتنصب غير ب تأمروني. وقد أجازه سيبويه على هذا، وهذا قول آخر وهو حذف الباء، كما قال:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب
و أنا أكره هذا الوجه الثاني لبعده. ولا يجوز على هذا القول أن ينصب غيراً بأعبد؛ لأن أعبد على هذا في صلة أن.
و أما قوله عز وجل: " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا " فعلى الجواب.
فإن قال قائل: أفأمر الله بذلك ليخوضوا ويلعبوا؟ قيل: مخرجه من الله عز وجل على الوعيد؛ كما قال عز وجل: " اعملوا ما شئتم " " و من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " .
أما قوله: " ذرهم في خوضهم يلعبون " فإنه ليس بجواب، ولكن المعنى: ذرهم لاعبين، أي ذرهم في حال لعبهم.
هذا باب
ألفات الوصل والقطع
و هن همزات على الحقيقة. فأما ألف القطع فهي التي تكون في أول الاسم أصلاً أو زائدة كالأصل. يبنى عليها الاسم بناء؛ كما يبنى على الميم الزائدة وغيرها من حروف الزوائد. فاستئنافها ووصلها بما قبلها سواء، وذلك نحو: هذا أبٌ فاعلم، وهذا أخٌ يا فتى. فهذه الأصلية. وكذلك الهمزة في إبل، وفي أمر.
فأما الزائدة فنحو أحمر، وأصفر، وهذا أفضل من ذا؛ لأنه من الفضل والحمرة والصفرة.
و أما ألف الوصل فإنما هي همزة. كان الكلام بعدها لا يصلح ابتداؤه؛ لأن أوله ساكن ولا يقدر على ابتداء الساكن. فزيدت هذه الهمزة ليوصل بها إلى الكلام بما بعدها. فإن كان قبلها كلام سقطت؛ لأن الذي قبلها معتمد للساكن مغنٍ، فلا وجه لدخولها.
و كذلك إن تحرك الحرف الذي بعدها لعله توجب ذلك سقطت الألف للاستغناء عنها بتحرك ما بعدها؛ لأن ابتداءه ممكن، فإنما تدخل في الكلام للضرورة إليها. وسنذكر موضعها من الأفعال وما تدخله من الأسماء إن شاء الله.
هذا باب
الأفعال التي تدخلها ألف الوصل
والأفعال الممتنعة من ذلك
أما ما تدخله ألف الوصل فهو كل فعلٍ كانت الياء وسائر حروف المضارعة تنفتح فيه إذا قلت يفعل، قلت حروفه أو كثرت، إلا أن يتحرك ما بعد الفاء فيستغنى عن الألف كما ذكرت لك.
فمن تلك الأفعال: ضرب وعلم وكرم، وتقول إذا أمرت: اضرب زيداً، اعلم ذاك، اكرم يا زيد؛ لأنك تقول: يضرب ويعلم ويكرم، فالياء من جميع هذا مفتوحة.
و تقول: يا زيد اضرب عمراً فتسقط الألف؛ كما قال عز وجل: " قل ادعوا الله " ، وكما قال: " و اعلموا أنما غنمتم من شيءٍ " لأن الواو لحقت فسقطت الألف.
و كذلك تقول: انطلق يا زيد، وقد انطلقت يا زيد؛ لأن الألف موصولة؛ لأنك تقول في المضارع: ينطلق فتنفتح الياء، وكذلك إذا قال: استخرجت مالاً، واستخرج إذا أمرت؛ لأنك تقول: يستخرج. وكل فعلٍ لم نذكره تلحقه هذه العلة فهذا مجراه.
فأما تفاعل يتفاعل، وتفعل يتفعل: نحو: تقاعس الرجل، وتقدم الرجل فإن ألف الوصل لا تلحقه وإن كانت الياء مفتوحة في يتقدم، وفي يتقاعس؛ لأن الحرف الذي بعدها متحرك وإنما تلحق الألف لسكون ما بعدها.
فإن كان يفعل مضموم الياء لك تكن الألف إلا مقطوعة، لأنها تثبت كثبات الأصل إذ كان ضم الياء من يفعل إنما يكون لما وليه حرفٌ من الأصل؛ وذلك ما كان على أفعل؛ نحو: أكرم، وأحسن، وأعطى؛ لأنك تقول: يكرم، ويحسن، ويعطي، فتنضم الياء؛ كما تنضم في يدحرج ويهملج. فإنما تثبت الألف من أكرم؛ كما تثبت الدال من دحرج.
تقول: يا زيد أكرم عمراً، كما تقول: دحرج. قال الله عز وجل: " فاستمعوا له وأنصتوا " وقال: " و أحسن كما أحسن الله إليك " بالقطع.
و كان حق هذا أن يقال في المضارع: يؤكرم مثل يدحرج ويؤحسن. ولكن اطرحت الهمزة لما أذكره لك في موضعه إن شاء الله.