وما لا يجوز فيه إلا النصب إلا أن يضطر شاعر
الجزء ١ · صفحة ٦٥و الاستفهام: أتأتيني فأعطيك؟ لأنه استفهم عن الإتيان، ولم يستفهم عن الإعطاء.
و إنما يكون إضمار أن إذا خالف الأول الثاني. أو قلت: لا تقم فتضرب زيداً لجزمت إذا أردت: لا تقم، ولا تضرب زيداً. فإذا أردت: لا تقم فتضرب زيداً، أي فإنك إن قمت ضربته لم يكن إلا النصب؛ لأنك لم ترد ب تضرب النهي. فصار المعنى: لا يكن منك قيام فيكون منك ضربٌ لزيد.
و ذلك أتأتيني فأكرمك؟ المعنى: أيكون هذا منك؟ فإنه متى كان منك كان مني إكرام.
هذا باب
مسائل هذا الباب
و ما يكون فيه معطوفاً أو مبتدأً مرفوعاً
وما لا يجوز فيه إلا النصب إلا أن يضطر شاعر
تقول: ما تأتيني فتحدثني. فالنصب يشتمل على معنيين يجمعهما أن الثاني مخالف للأول.
فأحد المعنيين: ما تأتيني إلا لم تحدثني: أي قد يكون منك إتيان ولكن لست تحدثني.
و المعنى الثاني: لا يكون منك إتيان ولا حديث فاعتباره ما تأتيني محدثاً، وكلما أتيتني لم تحدثني.
و الوجه الآخر: ما تأتيني فكيف تحدثني، أي لو أتيتني لحدثتني.
و أما الرفع فعلى وجهين: أحدهما: ما تأتيني، وما تحدثني، والآخر شريك لأول داخل معه في النفي.
و الوجه الثاني أن تقول:ما تأتيني فتحدثني أي ما تأتيني وأنت تحدثني وتكرمني.
و كذلك ما تعطيني فأشكرك، أي: ما تعطيني وأنا أشكرك على حال. ومثل ذلك في الجزم ألم أعطك فتشكرني؟ جزم تشكرني بلم ودخلا معاً في الاستفهام. والرفع على قولك: فأنت تشكرني.
و لو قلت: ما أنت بصاحبي فأكرمك لكان النصب على قولك: فكيف أكرمك؟ ولم يجز الرفع على الشركة، لأن الأول اسم فلا يشرك الفعل معه. ولكن لو حملته على فأنا أكرمك على حال ثم تعطف جملة على جملة لجاز. وعلى هذا قوله:
فما أنت من قيس فتنبح دونها … و لا من تميم في الرؤوس الأعاظم
و لو رفع على أنت تنبح على حال جاز.
و أما قول الله عز وجل: " لا يقضى عليهم فيموتوا " فهو على قولك: لا تأتيني، فأعطيك، أي لو تأتيني لأعطيتك. وهو الذي ذكرناه في أحد الوجهين من قولك: ما تأتيني فتحدثني إذا أردت: لو تأتيني لحدثتني.
و تقول: كأنك ل تأتنا فتحدثنا إذا أردت الوجه في قولك: محدثاً وهو الذي ذكرناه في ما تأتيني فتحدثني، أي: كلما أتيتني ل تحدثني، فهو ما تأتيني محدثاً. أي قد يكون منك إتيان ولا تحديث، كما قال:
كأنك لم تذبح لأهلك نعجة … فيصبح ملقىً بالفناء إهابها
و أما قوله عز وجل: " فإنما يقول له كن فيكون " . النصب هاهنا محال؛ لأنه لم يجعل فيكون جواباً. هذا خلاف المعنى؛ لأنه ليس هاهنا شرط.إنما المعنى: فإنه يقول له: كن فيكون، وكن حكاية.
و أما قوله عز وجل: " أن نقول له كن فيكون " فالنصب والرفع.
فأما النصب فعلى أن تقول: فيكون يا فتى، والرفع على هو يقول فيكون.
و أما قول الشاعر:
و ما أنا للشيء الذي ليس نافعي … و يغضب منه صاحبي بقؤول
فإن الرفع الوجه؛ لأن يغضب في صلة الذي؛ لأن معناه الذي يغضب منه صاحبي.
وكان سيبويه يقدم النصب ويثنى بالرفع. وليس القول عند كما قال،لأن المعنى الذي يصح عليه الكلام إنما يكون بأن يقع يغضب في الصلة كما ذكرت لك.
ومن أجاز النصب فإنما يجعل يغضب معطوفاً على الشيء، وذلك جائز، ولكنه بعيد. وإنما جاز لأن الشيء منعوت، فكان تقديره: وما أنا للشيء الذي هذه حاله، ولأن يغضب صاحبي وهو كلامٌ محمول على معناه؛ لأنه ليس يقول الغضب إنما يقول ما يوجب الغضب. ومثل هذا يجوز.
تقول: إنما جاء به طعام زيد، والمعنى إنما جئت من أجله. وكذلك قولك: إنما شفاء زيد السيف، وإنما تحيته الشتم، أي هذا الذي قد أقامه مقام التحية ومقام الشفاء؛كما قال:
و خيل قد دلفت لها بخيل … تحية بينهم ضربٌ وجيع
فهذا كلام مفهوم وتحقيق لفظه ما ذكرته لك.
و أما قول الله عز وجل: " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرةً " فهذا هو الوجه؛ لأنه ليس بجواب؛ لأن المعنى في قوله: " ألم تر " إنما هو: انتبه وانظر. أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا.
و ليس كقولك: ألم تأت زيداً فيكرمك؛ لأن الإكرام يقع بالإتيان. وليس اخضرار الأرض واقعاً من أجل رؤيتك.