المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

أن

الجزء ١ · صفحة ٦٧

و لو قلت بالفاء: لا يسعني شيء فيعجز عنك كان جيداً؛ لأن معناه: لا يسعني شيء إلا لم يعجز عنك، ولا يسعني عاجزاً عنك هذا تمثيل هذا؛ كما قلت لك في ما تأتيني فتحدثني أي إلا لم تحدثني، وما تأتيني محدثاً.

فمعنى الواو الجمع بين الشيئين. ونصبها على إضمار أن؛ كما كان في الفاء. وتنصب في كل موضع تنصب فيه الفاء؛ ألا ترى أن قولك: زرني وأزورك، إنما هو لتكن منك زيارة، وزيارة مني.

و لو أراد الأمر في الثاني لقال: زرني ولأزرك. حتى يكون الأمر جارياً عليهما.

و النحويون ينشدون هذا البيت على ضربين، وهو قول الشاعر:

لقد كان في حول ثواءٍ ثويته … تقضى لباناتٌ ويسأم سائم

فيرفع يسأم لأنه عطفه على فعل وهو تقضى فلا يكون إلا رفعاً.

و من قال: تقضى لبانات قال: ويسأم سائم؛ لأن تقضى اسمٌ، فلم يجز أن تعطف عليه فعلاً. فأضمر أن ليجري المصدر على المصدر، فصار: تقضى لبانات وأن يسأم سائم: أي وسآمة سائم. وعلى هذا ينشد هذا البيت:

للبس عباءة وتقر عيني … أحب إلي من لبس الشفوف

أي: وأن تقر عيني.

فأما قوله:

ألم أك جاركم ويكون بيني … و بينكم المودة والإخاء

فإنه أراد: ألم يجتمع كون هذا منكم، وكون هذا مني؟! و لو أراد الإفراد فيهما لم يكن إلا مجزوماً. كأنه قال: ألم يكن بيني وبينكم.

و الآية تقرأ على وجهين " و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " على ما ذكرت لك.

هذا باب

أو

و هي تكون للعطف فتجري ما بعدها على ما قبلها؛ كما كان ذلك في الاسم إذا قلت: ضربت زيداً أو عمراً.

و يكون مضمراً بعدها أن إذا كان المعنى: إلا أن يكون، وحتى يكون، وذلك قولك: أنت تضرب زيداً، أو تكرم عمراً على العطف. وقال الله عز وجل: " ستدعون إلى قومٍ أولي بأسٍ شديدٍ تقاتلونهم أو يسلمون " أي يكون هذا، أو يكون هذا.

فأما الموضع الذي تنصب فيه بإضمار أن فقولك: لألزمنك أو تقضيني؛ أي؛ إلا أن تقضيني، وحتى تقضيني.

و في مصحف أبي " تقاتلونهم أو يسلموا " على معنى إلا أن يسلموا، وحتى يسلموا.

و قال امرؤ القيس:

فقلت له: لا تبك عينك إنما … نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا

أي: إلا أن نموت.

و قال زيادٌ الأعجم:

و كنت إذا غمزت قناة قومٍ … كسرت كعوبها أو تستقيما

و يقال: أتجلس أو تقوم يا فتى؟ كالمعنى: أيكون منك واحدٌ من الأمرين.

و تقول: هل تكلمنا أو تنبسط إلينا. لا معنى للنصب هاهنا. قال الله عز وجل: " هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون " .

فجملة هذا: أن كل موضع تصلح فيه حتى، وإلا أن فالنصب فيه جائزٌ جيد إذا أردت هذا المعنى، والعطف على ما قبله مستعملٌ في كل موضع.

هذا باب

أن

اعلم أن أن والفعل بمنزلة المصدر. وهي تقع على الأفعال المضارعة فتنصبها، وهي صلاتها. ولا تقع مع الفعل حالاً؛ لأنها لما لم يقع في الحال، ولكن لما يستقبل.

فإن وقعت على الماضي؛ نحو: سرني أن قمت، وساءني أن خرجت كان جيداً. قال الله عز وجل: " و امرأة مؤمنةً أن وهبت نفسها للنبي " :أي لأن كان هذا فيما مضى.

فهذا كله لا يلحق الحال؛ لأن الحال لما أنت فيه.

و اعلم أن هذه لا تلحق بعد كل فعل، إنما تلحق إذا كانت لما لم يقع بعد ما يكون توقعاً لا يقيناً؛ لأن اليقين ثابت. وذلك قولك: أرجو أن تقوم يا فتى، وأخاف أن تذهب يا فتى. كما قال: عز وجل: " نخشى أن تصيبنا دائرةٌ " .

و لو قلت: أعلم أن تقوم يا فتى لم يجز؛ لأن هذا شيء ثابت في علمك،فهذا من مواضع أن الثقيلة؛ نحو: أعلم أنك تقوم يا فتى.

و تقول: أظن أنك ستقوم؛ لأنه شيءٌ قد استقر في ظنك؛ كما استقر الآخر في علمك، كما قال الله تبارك اسمه: " الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم " .

فإن قيل: إن يظنون هاهنا يوقنون. فهكذا هو، ولكنها في الثبات في الظن وفي إعمالها على الوجه الآخر. إلا أنها إذا أرد بها العلم لم تكن إلا مثقلة. فإن أريد بها الشك جاز الأمران جميعاً. والتثقيل في الشك أكثر استعمالاً؛ لثباته في الظن كثبات الأخرى في العلم.

فأما الوجه الذي يجوز فيه الخفيفة فإنه متوقع غير ثابت المعرفة. قال الله عز وجل: " تظن أن يفعل بها فاقرةٌ " .

٦٧ / ٢٨٤