المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

حتى

الجزء ١ · صفحة ٦٩

و لو قال قائل: أريد أن تأتيني ثم تحسن إلي، لكان معناه: أريد إتيانك ثم قد استقر عندي أنك تحسن إلي. أي فهذا عندك معلوم عندي. والتقدير في العربية: أريد أن تأتيني ثم أنت تحسن إلي.

و تقول: أمرته أن يقوم يا فتى. فالمعنى: أمرته بأن يقوم، إلا أنك حذفت حرف الخفض. وحذفه مع أن جيد.

و إذا كان المصدر على وجهه جاز الحذف، ولم يكن كحسنه مع أن؛ لأنها وصلتها اسمٌ. فقد صار الحرف والفعل والفاعل اسماً. وإن اتصل به شيءٌ صار معه في الصلة. فإذا طال الكلام احتمل الحذف.

فأما المصدر غير أن فنحو: أمرتك الخير يا فتى؛ كما قال الشاعر:

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مال واذا نشب

فهذا يصلح على المجاز. وأما أن فالأحسن فيها الحذف؛ كما قال الله عز وجل: " و قضى ربك أن ألا تعبدوا إلا إياه " ومعنى قضى هاهنا: أمر.

و أما قوله: " و أمرت لأن أكون " فإنما حمل الفعل على المصدر، فالمعنى والله أعلم : أوقع إلي هذا الأمر لذا.

و هذه اللام تدخل على المفعول فلا تغير معناه؛ لأنها لام إضافة، والفعل معها يجري مجرى مصدره كما يجري المصدر مجراه في الرفع والنصب لما بعده؛ لأن المصدر اسم الفعل. قال الله عز وجل: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " .

و قال بعض المفسرين في قوله: " قل عسى أن يكون ردف لكم " معناه: ردفكم.

و تقول: لزيدٍ ضربت، ولعمرو أكرمت إذا قدمت المفعول؛ لتشغل اللام ما وقعت عليه.فإن أخرته فالأحسن ألا تدخلها،إلا أن يكون المعنى ما قال المفسرون فيكون حسناً، وحذفه أحسن؛ لأن جميع القرآن عليه.

هذا باب

حتى

اعلم أن الفعل ينصب بعدها بإضمار أن؛ وذلك لأن حتى من عوامل الأسماء الخافضة لها. تقول: ضربت القوم حتى زيد، ودخلت البلاد حتى الكوفة، وأكلت السمكة حتى رأسها؛ أي لم أبق منها شيئاً. فعملها الخفض. وتدخل الثاني فيما دخل فيه الأول من المعنى؛ لأن معناها إذا خفضت كمعناها إذا نسق بها؛ فلذلك خالفت إلى. قال الله عز وجل: " سلامٌ هي حتى مطلع الفجر " .

فإذا وقعت عوامل الأسماء على الأفعال، لم يستقم وصلها بها إلا على إضمار أن؛ لأن أن والفعل اسم مصدر، فتكون واقعة على الأسماء. وذلك قولك: أنا أسير حتى تمنعني، وأنا أقف حتى تطلع الشمس. فإذا نصبت بها على ما وصفت لك كان ذلك على أحد معنيين على كي، وعلى إلى أن؛ لأن حتى بمنزلة إلى.

فأما التي بمعنى إلى أن فقولك: أنا أسير حتى تطلع الشمس، وأنا أنام حتى يسمع الأذان.

و أما الوجه الذي تكون فيه بمنزلة كي فقولك: أطع الله حتى يدخلك الجنة وأنا أكلم زيداً حتى يأمر لي بشيءٍ.

فكل ما اعتوره واحد من هذين المعنيين، فالنصب له لازمٌ على ما ذكرت لك.

و اعلم أن حتى يرتفع الفعل بعدها. وهي حتى التي تقع في الاسم ناسقةً. نحو: ضربت القوم حتى زيداً ضربته ومررت بالقوم حتى زيدٍ مررت به، وجاءني القوم حتى زيدٌ جاءني. وقد مضى تفسير هذا في باب الأسماء.

فالتي تنسق ثم تنسق هاهنا؛ كما كان ذلك في الواو والفاء وثم، وجميع حروف العطف.

فالرفع يقع بعدها على وجهين يرجعان إلى وجه واحد وإن اختلف موضعاهما: و ذلك قولك: سرت حتى أدخلها، أي: كان مني سيرٌ فدخول. فأنت تخبر أنك في حال دخول اتصل به سيرك؛ كما قال الشاعر:

فإن المندى رحلةٌ فركوب

فليس في معنى هذا كي، ولا إلى أن، إنما خبرت بأن هذا كذا وقع منك.

و الوجه الآخر: أن يكون السبب متقدماً غير متصل بما تخبر عنه، ثم يكون مؤدياً إلى هذا، كقولك: مرض حتى لا يرجونه، أي: هو الآن كذاك، فهو منقطع من الأول، ووجوده إنما هو في الحال كما ذكرت لك فيما قبله.

فذلك قولي: يرجعان إلى شيءٍ واحد. ومثل ذلك مرض حتى يمر به الطائر فيرحمه. أي هو الآن كذلك.

فمثل النصب قوله:

سريت بهم حتى تكل مطيهم … و حتى الجياد ما يقدن بأرسان

أي: إلى أن. ومثل الرفع تمام البيت، وهو: حتى الجياد.

و نظير الرفع في الأسماء قوله:

فيا عجباً حتى كليبٌ تسبني … كأن أباها نهشلٌ أو مجاشع

أي: وحتى كليب هذه حالها؛ كما أن نظير النصب: ضربت القوم حتى زيد في الأسماء لأن المعنى: ضربت القوم حتى انتهيت إلى هذا الموضع.

هذا باب

مسائل حتى في البابين: النصب، والرفع

٦٩ / ٢٨٤