المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

الحروف التي تنصب الأفعال

الجزء ١ · صفحة ٦٣

و الثاني: أنه لو كان ينجزم بجازم مضمر لكان حرف المضارعة فيه الذي به يجب الإعراب، لأن المضمر كالظاهر.

ألا ترى أنك لو أردت إضمار لم وكان هذا مما يجوز من قولك: لم يضرب، فحذفت لم، لبقيت يضرب على لفظها ومعها لم.

فإن قال قائل: فلم بناه على مقدار المضارعة؛ نحو: اضرب، وانطلق فقد كسرت كما تقول: يضرب وينطلق. وكذلك اقتل كما تقول: يقتل؟ قيل: إنما لحقت هذه البنية؛ لأنه لما لم يقع، وكذلك صورة ما لم يقع. فهذا احتجاج مغن، وفيه ما هو أكثر من هذا.

هذا باب

تجريد إعراب الأفعال

اعلم أن هذه الأفعال المضارعة ترتفع بوقوعها مواقع الأسماء، مرفوعةً كانت الأسماء أو منصوبةً أو مخفوضةً. فوقوعها مواقع الأسماء هو الذي يرفعها. ولا تنتصب إذا كانت الأسماء في موضع نصب، ولا تنخفض على كل حال، وإن كانت الأسماء في موضع خفض.

فلها الرفع؛ لأن ما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل. فهي مرفوعة لما ذكرت لك حتى يدخل عليها ما ينصبها، أو يجزمها. وتلك عوامل لها خاصة ولا تدخل على الأسماء، كما لا تدخل عوامل الأسماء عليها. فكلٌّ على حياله.

فأما ما كان منها في موضع رفع فقولك: يقوم زيد. يقوم في موضع المبتدأ، وكذلك: زيد يقوم يقوم في موضع الخبر. وإن زيداً يقوم. يقوم في موضع خبر إن.

و ما كان منها في موضع المنصوب، فنحو: كان زيد يقوم يا فتى، وظننت زيداً يقوم.

و ما كان في موضع المجرور فنحو: مررت برجل يقوم، ومررت برجل يقوم أبوه.

فإذا أدخلت على هذه الأفعال السين أو سوف فقد منعتها بها من كل عامل. وسيأتيك هذا مبيناً في هذا الباب إن شاء الله.

هذا باب

الحروف التي تنصب الأفعال

فمن هذه الحروف أن، وهي والفعل بمنزلة مصدره، إلا أنه مصدر لا يقع في الحال. إنما يكون لما يقع إن وقعت على مضارع، ولما مضى إن وقعت على ماضٍ.

فأما وقوعها على المضارع؛ فنحو: يسرني أن تقوم. المعنى: يسرني قيامك؛ لأن القيام لم يقع. والماضي: يسرني أن قمت. فأن هي أمكن الحروف في نصب الأفعال. وكان الخليل يقول: لا ينتصب فعلٌ البتة إلا بأن مضمرةً أو مظهرةً. وليس القول كما قال لما نذكره إن شاء الله.

و من هذه الحروف لن وهي نفي قولك: سيفعل. تقول: لن يقوم زيد، ولن يذهب عبد الله.

و لا تتصل بالقسم كما لم يتصل به سيفعل.

و من هذه الحروف كي، تقول: جئت كي تكرمني، وكي يسرك زيد.

و منها إذن، تقول: إذن يضربك زيد. فهذه تعمل في الأفعال عمل عوامل الأسماء في الأسماء إذا قلت: ضربت زيداً، وأشتم عمراً.

و اعلم أن هاهنا حروفاً تنتصب بعدها الأفعال وليست الناصبة، وإنما أن بعدها مضمرةٌ. فالفعل منتصب بأن وهذه الحروف عوضٌ منها، ودالةٌ عليها.

فمن هذه الحروف الفاء، والواو، وأو، وحتى، واللام المكسورة.

فأما اللام فلها موضعان: أحدهما نفي، والآخر إيجاب. وذلك قوله: جئتك لأكرمك وقوله عز وجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " . فهذا موضع الإيجاب.

و موضع النفي: ما كان زيد ليقوم. وكذلك قوله تبارك وتعالى: " ما كان الله ليذر المؤمنين " " و ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " .

ف أن بعد هذه اللام مضمرةٌ، وذلك لأن اللام من عوامل الأسماء، وعوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال. ف أن بعدها مضمرةٌ، فإذا أضمرت أن نصبت بها الفعل ودخلت عليها اللام؛ لأن أن والفعل اسمٌ واحدٌ، كما أنها والفعل مصدرٌ. فالمعنى: جئت لأن أكرمك، أي: جئت لإكرامك. كقولك: جئت لزيد.

فإن قلت: ما كنت لأضربك فمعناه: ما كنت لهذا الفعل.

و أما الفاء. وأو ففيهما معان تفسر على حيالها بعد فراغنا من هذا الباب إن شاء الله. وكذا حتى، وإذن.

و كان الخليل يقول: إن أن بعد إذن مضمرةٌ.

و كذلك لن وإنما هي لا أن ولكنك حذفت الألف من لا. والهمزة من أن وجعلتها حرفاً واحداً.

و ليس القول عندي كما قال؛ وذلك أنك تقول: زيداً لن أضرب؛ كما تقول: زيداً سأضرب. فلو كان هذا كما قال الخليل لفسد هذا الكلام؛ لأن زيداً كان ينتصب بما في صلة أن. ولكن لن حرف بمنزلة أن.

و أما كي ففيها قولان: أما من أدخل اللام فقال: لكي تقوم يا فتى فهي عنده والفعل مصدر؛ كما كان ذلك في أن.

و أما من لم يدخل عليها اللام فقال: كيمه كما تقول: لمه ف أن عنده بعدها مضمرة؛ لأنها من عوامل الأسماء كاللام.

٦٣ / ٢٨٤