المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

وما يمتنع من الإضافة

الجزء ١ · صفحة ٩٨

و تلك الأولى لا يجوز أن تنصب بها؛ لأن المعنى: أحد ثلاثة وأحد أربعة.

فتقول على هذا القول: هذا رابع أربعة إذا كان هو وثلاث نسوة؛ لأنه قد دخل معهن فقلت: أربعة بالتذكير؛ لأنه إذا اجتمع مذكر ومؤنث جعل الكلام على التذكير؛ لأنه الأصل.

و تقول على القول الآخر: هذا رابع ثلاث يا فتى؛ لأنه لم يدخل معهن وإنما مثاله: هذا ضارب ثلاث. فعلى هذا فأجر هذا الباب.

فإذا جاوز العقد الأول فإن القياس على المذهب الأول وهو: هذا ثالث ثلاثةٍ ورابع أربعةٍ، أي: أحد ثلاثة وأحد أربعة أن تقول: هذا حادي عشر أحد عشر، وخامس عشر خمسة عشر. ولكن العرب تستثقل إضافته على التمام لطوله فيقولون: هذا حادي أحد عشر، وخامس خمسة عشر. فيرفعون الأول بما يرفعه. وينصبونه بما ينصبه، ويخفضونه بما يخفضه؛ لأنه معرب.

و إنما منعهم من بنائه أن ثلاثة أسماءٍ لا تجعل اسماً واحداً في غير الإضافة. وإنما شبه خمسة عشر بحضرموت، وبني لما ذكرنا من إزالته عن موضعه.

فإن قلت: هذا حادي عشر وخامس عشر، كما تقول: هذا خامس وسادس بنيته على الفتح؛ لأنهما اسمان. فحالهما كحال خمسة عشر ونحوه. فعلى هذا القياس يجري هذا العدد.

فإن قلت على قياس قول من قال: هذا رابعٌ من ثلاثةً وخامسٌ أربعةً. فإن النحويين كانوا يقولون: هذا خامسٌ أربعة عشر، وهذه خامسةٌ أربع عشرة، ويقيسون هذا أجمع، ويقولون: هذا رابعٌ ثلاث عشرة، إذا كن نساءً، فصرن به أربعة عشر، كما تقول: هذا رابع ثلاث،و خامسٌ أربع. فهذا قول النحويين المتقدمين، وكان أبو الحسن الأخفش لا يراه صواباً؛ وذلك لأنك إذا قلت: رابعٌ ثلاثةً فإنما تجريه مجرى ضارب ونحوه، لأنك كنت تقول: كانوا ثلاثة فربعهم، وكانوا خمسة فسدسهم، ولا يجوز أن تبني فاعلاً من خمسة وعشرة جميعاً؛ لأن الأصل: خامس عشر أربعة عشر.

و القياس عندي ما قال، وهو قول المازني.

فإذا بلغت العشرين فما بعدها لم تبن منه فاعلاً؛ لأنه يلتبس بما قبله؛ لأنه يجيء على لفظ العشرين، والثلاثون على لفظ الثلاثة، وهكذا إلى التسعين.

فإذا بلغت المائة قلت: كانوا تسعة وتسعين فأمأيتهم: إذا جعلتهم مائة. وكانوا تسعمائة فألفتهم. إذا أردت: فعلتهم، وآلفتهم. إذا أردت: أفعلتهم. كل ذلك يقال وجاء في الحديث " أول حي آلف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جهينة، وقد آلفت معه بنو سليم بعد " .

قال بجير بن زهير:

صبحناهم بألفٍ من سليمٍ … و سبعٍ من بني عثمان وافي

و بنو عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر هم مزينة.

هذا باب

ما يضاف إليه من العدة من الأجناس

وما يمتنع من الإضافة

اعلم أنه كل ما كان اسماً غير نعت فإضافة العدد إليه جيدة. وذلك قولك: عندي ثلاثة أجمالٍ، وأربع أينقٍ، وخمسة دراهم، وثلاثة أنفسٍ.

فإن كان نعتاً قبح ذلك فيه، إلا أن يكون مضارعاً للاسم، واقعاً موقعه. وذلك قولك: عندي ثلاثة قرشيين، وأربعة كرامٍ، وخمسة ظرفاء هذا قبيح حتى تقول: ثلاثة رجالٍ قرشيين. وثلاثة رجالٍ كرام، ونحو ذلك. فأما المضارع للأسماء فنحو: جاءني ثلاثة أمثالك، وأربعة أشباه زيد. كما قال الله عز وجل: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " وقد قرئ: " فله عشرٌ أمثالها " . فهذه القراءة المختارة عند أهل اللغة، والتي بدأنا بها حسنةٌ جميلة.

فإن كان الذي يقع عليه العدد اسماً لجنس من غير الآدميين لم يلاقه العدد إلا بحرف الإضافة، وكان مجازه التأنيث، لأن فعله وجمعه على ذلك، إذ كان معناه الجماعة، ألا ترى أنك تقول: الجمال تسير، والجمال يسرن؛ كما قال الله عز وجل عند ذكر الأصنام: " رب إنهن أضللن كثيراً من الناس " . وعلى هذا يجمع؛ كما تقول: حمام وحمامات، وسرادق وسرادقات.

فأما الآدميون فإن المذكر منهم يجري على جمعه التذكير، لأن فعله على ذلك. تقول: هم يضربون زيداً، وينطلقون، فلذلك تقول: مسلمون ومنطلقون، ونحوه، وعلى هذا تقول: هم الرجال، ولا يقع مثل هذا إلا ملا يعقل.

فإن قلت: هي الرجال. صلح على إرادتك هي جماعة الرجال، كما تقول: هي الجمال. فأما هم فلا يكون إلا لما يعقل.

٩٨ / ٢٨٤