وتلك الأفعال: نعم، وبئس وما وقع في معناهما
الجزء ١ · صفحة ٨٩فهذا ما ذكرت لك من اختلافهم واختيار أحد القولين.
هذا باب
ما وقع من الأفعال للجنس على معناها
وتلك الأفعال: نعم، وبئس وما وقع في معناهما
اعلم أن نعم وبئس كان أصلهما نعم وبئس، إلا أنه ما كان ثانيه حرفا ًمن حروف الحلق مما هو على فعل جازت فيه أربعة أوجه اسماً كان أو فعلاً. وذلك قولك: نعم وبئس على التمام وفخذ، ويجوز أن تكسر الأول لكسرة الثاني فتقول: نعم وبئس وفخذ.و يجوز الإسكان، كما تسكن المضمومات والمكسورات إذ كن غير أول. وقد تقدم قولنا في ذلك. فيقول من قولك فخذ: فخذ، وعلم: علم ومن نعم: نعم ومن قولك: فخذ فخذ، ونعم وبئس.
و حروف الحلق ستة: الهمزة والهاء وهما أقصاه، والعين والحاء وهما من أوسطه، والغين والخاء وهما من أوله مما يلي اللسان. فكان أصل نعم وبئس ما ذكرت لك. إلا أنهما الأصل في المدح والذم. فلما كثر استعمالهما ألزما التخفيف، وجريا فيه وفي الكسرة كالمثل الذي يلزم طريقةً واحدة.
و قد يقول بعضهم نعم. وكل ذلك جائزٌ حسن إذا أثرت استعماله، أعني الوجوه الأربعة.
قال الشاعر:
ففداءٌ لبني قيس على … ما أصاب الناس من سوءٍ وضر
ما أقلت قدمي أنهم … نعم الساعون في الأمر المبر
و أما ما ذكرت لك أنه يقع في معناهما مقارباً لهما فنحو: فعل نحو: لكرم زيد، ولظرف زيد. وكذلك حبذا. ونحن ذاكرو كل باب من هذا على حياله إن شاء الله.
أما نعم وبئس فلا يقعان إلا على مضمر يفسره ما بعده والتفسير لازم.
أو على معرفة بالألف واللام على معنى الجنس، ثم يذكر بعدها المحمود والمذموم.
فأما ما كان معرفةً بالألف واللام فنحو قولك: نعم الرجل زيدٌ، وبئس الرجل عبد الله، ونعم الدار دارك. وإن شئت قلت: نعمت الدار. لما أذكره لك إن شاء الله، وبئست الدابة دابتك.
و أما قولك: الرجل، والدابة، والدار. فمرتفعات بنعم وبئس؛ لأنهما فعلان يرتفع بهما فاعلاهما.
و أما قولك: زيد، وما أشبهه فإن رفعه على ضربين: أحدهما: أنك لما قلت: نعم الرجل فكأنه معناه محمود في الرجال قلت: زيد على التفسير كأنه قيل: من هذا المحمود؟ فقلت: هو زيد.
و الوجه الآخر: أن تكون أردت بزيد التقديم فأخرته، وكان موضعه أن تقول: زيد نعم الرجل.
فإن زعم زاعم أن قولك: نعم الرجل زيد إنما زيد بدلٌ من الرجل مرتفع بما ارتفع به، كقولك: مررت بأخيك زيدٍ، وجاءني الرجل عبد الله. قيل له: إن قولك: جاءني الرجل عبد الله، إنما تقديره إذا طرحت الرجل : جاءني عبد الله. فقل: نعم زيدٌ؛ لأنك تزعم أنه بنعم مرتفع. وهذا محال؛ لأن الرجل ليس يقصد به إلى واحد بعينه؛ كما تقول: جاءني الرجل، أي: جاءني الرجل الذي تعرف. وإنما هو واحد من الرجال على غير معهود تريد به هذا الجنس. ويؤول نعم الرجل في التقدير إلى أنك تريد معنى محموداً في الرجال، ثم تعرف المخاطب من هذا المحمود؟.
و إذا قلت: بئس الرجل، فمعناه: مذموم في الرجال. ثم تفسر من هذا المذموم؟ بقولك: زيد.
فالرجل وما ذكرت لك مما فيه الألف واللام دالٌّ على الجنس، والمذكور بعد هو المختص بالحمد والذم. وهذا هاهنا بمنزلة قولك: فلان يفرق الأسد، إنما تريد هذا الجنس، ولست تعني أسداً معهوداً وكذلك: فلان يحب الدينار والدرهم، وأهلك الناس الدينار والدرهم، وأهلك الناس الشاة والبعير. وقال الله عز وجل: " و العصر إن الإنسان لفي خسر " فهو واقع على الجنس؛ ألا تراه يقول: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " وقال: " إن الإنسان خلق هلوعاً " . وقال: " إلا المصلين " .
و اعلم أن ما أضيف إلى الألف واللام بمنزلة الألف واللام، وذلك قولك: نعم أخو القوم أنت، وبئس صاحب الرجل عبد الله.
و لو قلت: نعم الذي في الدار أنت لم يجز، لأن الذي بصلته مقصود إليه بعينه. فقد خرج من موضع الاسم الذي لا يكون للجنس وتقول: نعم القائم أنت. ونعم الداخل الدار أنت. والدار بالنصب والخفض، والنصب أجود على ما ذكرت لك. لأن تعريفك يقع كتعريف الغلام وإن كان معناه الذي.
فإن قلت: قد جاء " و الذي جاء بالصدق وصدق به " فمعناه الجنس. فإن الذي إذا كانت على هذا المذهب صلحت بعد نعم وبئس. وإنما يكره بعد هذا تلك المخصوصة.