المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

وما يلحقها من الزيادة للمبالغة

الجزء ١ · صفحة ٨٤

و اعلم أن الأصل مستعملٌ فيما كانت حروف الحلق في موضع عينه أو لامه؛ نحو: زأر الأسد يزئر، ونأم ينئم؛لأن هذا هو الأصل، والفتح عارض. لما ذكرت لك هاهنا من أجل مصادره ليجري الفعل عليها. ونحن ذاكروها بعد ذكر أسماء الفاعلين في هذه الأفعال إن شاء الله.

هذا باب

معرفة أسماء الفاعلين في هذه الأفعال

وما يلحقها من الزيادة للمبالغة

اعلم أن الاسم من فعل على فاعل؛ نحو قولك: ضرب فهو ضارب، وشتم فهو شاتم وكذلك فعل نحو: علم فهو عالم، وشرب فهو شارب.

فإن أردت أن تكثر الفعل كان للتكثير أبنية: فمن ذلك فعال تقول: رجل قتال، إذا كان يكثر القتل. فأما قاتلٌ فيكون للقليل والكثير؛ لأنه الأصل. وعلى هذا تقول: رجل ضرابٌ وشتام، كما قال:

أخا الحرب لباساً إليها جلالها … و ليس بولاج الخوالف أعقلا

فهذا ينصب المفعول كما ينصبه فاعلٌ؛ لأنك إنما تريد به ما تريد بفاعل، إلا أن هذا أكثر مبالغةً؛ ألا تراه يقول: لباساً إليها جلالها. ومن كلام العرب: أما العسل فأنت شراب.

من هذه الأبنية فعول؛ نحو: ضروب، وقتول، وركوب: تقول: هو ضروب زيداً، إذا كان يضربه مرة بعد مرة. كما قال:

ضروبٌ بنصل السيف سوق سمانها … إذا عدموا زاداً فإنك عاقر

و من كلام العرب: إنه ضروبٌ رؤوس الدارعين.

و من هذه الأبنية مفعال؛ نحو: رجل مضراب، ورجل مقتال. ومن كلام العرب: إنه لمنحار بوائكها.

فأما ما كان على فعيل نحو:رحيم وعليم، فقد أجاز سيبويه النصب فيه، ولا أراه جائزاً.

و ذلك أن فعيلا إنما هو اسم الفاعل من الفعل الذي لا يتعدى. فما خرج إليه من غير ذلك الفعل فمضارع له ملحق به.

و الفعل الذي هو لفعيل في الأصل إنما هو ما كان على فعل: نحو: كرم فهو كريم، وشرف فهو شريف، وظرف فهو ظريف. فما خرج إليه من باب علم وشهد ورحم فهو ملحق به. فإن قلت: راحم وعالم وشاهد، فهذا اسم الفاعل الذي يراد به الفعل. واحتج سيبويه بقول الشاعر:

حتى شآها كليلٌ موهناً عملٌ … باتت طراباً وبات الليل لم ينم

فجعل البيت موضوعاً من فعيل وفعل بقوله: عمل، وكليل.

و ليس هذا بحجة في واحد منهما؛ لأن موهناً ظرف وليس بمفعول، والظرف إنما يعمل فيه معنى الفعل كعمل الفعل، كان الفعل متعدياً أو غير متعدٍّ.

و كذلك ما ذكر في فعل. أكثر النحويين على رده، وفعيلٌ في قول النحويين بمنزلته. فما كان على فعل فنحو: فرق، وبطر، وحذر.

و الحجة في أن هذا لا يعمل أنه لما تنتقل إليه الهيئة. تقول: فلان حذر. أي: ذو حذر، وفلان بطرٌ، كقولك: ما كان ذا بطر ولقد بطر، وما كان ذا حذر ولقد حذر. فإنما هو كقولك: ما كان ذا شرف ولقد شرف. وما كان ذا كرم ولقد كرم.

ففعلٌ مضارعة لفعيل. وكذلك يقع فعل وفعيل في معنى، كقولك: رجل طب وطبيب، ومذل ومذيل، وهذا كثير جداً.

و احتج سيبويه بهذا البيت:

حذرٌ أموراً لا تضير، وآمنٌ … ما ليس منجيه من الأقدر

و هذا بيت موضوع محدث. وإنما القياس الحاكم على ما يجيء من هذا الضرب وغيره.

فإن ذكرت فعولاً من غير فعل لم يجر مجرى الفعل، وذلك نحو قولك: هذا رسول. وليس بمنزلة ضروب؛ لأنك تقول: رجل ضارب وضروب لمن يكثر الضرب منه. فإذا قلت: رسول لم ترد به معنى فعل، إنما تريد أن غيره أرسله. والفعل منه أرسل يرسل. والمفعول مرسل.

و ليس رسولٌ مكثراً من مرسل؛ لأن رسولاً قد يستقيم أن يكون أرسل مرةً واحدة، فليس للمبالغة.

و أما ضروبٌ فمعناه كثرة الضرب.

فإن كانت الأسماء جاريةً على أفعالها في الفاعلين والمفعولين عملت عمل أفعالها. لا اختلاف في ذلك بين أحد. ونحن ذاكروها مع ما ذكرنا إن شاء الله.

و ذلك أنك إذا أردت التكثير من ذا قلت: مضربٌ أعناق القوم؛ لأن الاسم على ضرب مضرب. وإنما ذكرنا النصب في ضراب، لأنه في معنى مضرب؛ ألا ترى أنك لا تقول لمن ضرب ضربةً واحدةً: ضرابٌ، ولا لمن خاط خيطةً واحدةً: خياطٌ، ولا ضروبٌ، ولا خيوطٌ فإنما مضربٌ من ضربت، ومستخرج من استخرجت، ومنطلق من انطلقت.

٨٤ / ٢٨٤