هذا ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة
الجزء ١ · صفحة ٩٧و أما قولهم: العشرون الدرهم فيستحيل من وجه ثالث، وهو أن العدد قد أحكم وبين بقولك: عشرون. فإنما يحتاج إلى أن يعلم النوع، فإنما درهم وما أشبهه للنوع. فإن كانت العشرون معلومة قلت: أخذت العشرين درهماً، أي: التي قد عرفت، وليس الدرهم بواحد معلوم مقصودٍ إليه. ولو كان كذلك كان لا معنى له بعد العشرين. وكذلك كل رجلٍ جاءني فله درهم. إنما المعنى: كل من جاءني من الرجال إذا كانوا واحداً واحداً فله درهم، ألا تراك تقول: كل اثنين جاءاني أكرمهما؛ لأنك تريد: الذين يجيئونك اثنين اثنين. فلو قلت: كل الاثنين أو كل الرجل على هذا لاستحال.
ففساد هذا بينٌ جداً. وينبغي لمن تبين فساد ما قاله أن يرجع من قبل إلى حقيقة القياس، ولا يمض على التقليد.
هذا باب
ما يضاف من الأعداد المنونة
اعلم أنك إذا أضفت عدداً حذفت منه النون والتنوين، أي ذلك كان فيه. فتقول: هذه عشروك، وثلاثوك، وأربعوك، ورأيت ثلاثيك، وأربعيك.
و هذه مائتك، وألفك.
و تقول: هذه ثلاثةٌ وثلاثوك إذا سميت بها رجلاً. وإن كان عدداً في موضعه قلت: هذه ثلاثتك وثلاثوك، كما تقول: هذا غلامك وجاريتك، وكذا سبيل كل معطوف.
و تقول: هذه ثلاثة أثوابك، وهذه ثلاثة أثواب القوم، لا يكون إلا ذلك، لأن المضاف ينكر حتى يعرفه ما بعده أو ينكره.
و كذلك تقول: هذه مائة درهمك، وألف دينارك، وهذه خمسة عشرك. تقدر حذف ما فيه من التنوين في النية، كما تقول: هن حواج بيت الله إذا نويت التنوين، وهن حواج بيت الله إذا نويت طرحه؛ لأن فواعل لا ينصرف. فإنما يقع التنوين في النية، ويخرج مخرج هذا ضاربٌ زيداً وضارب زيدٍ، كما قال الشاعر:
إذا أم سرباحٍ غدت في ظعائن … طوالع نجداً فاضت العين تدمع
و قال آخر:
و نأخذ بعده بذناب عيش … أجب الظهر ليس له سنام
و من لم يرد التنوين خفض في هذين البيتين وما أشبههما.
و اعلم أن القياس وأكثر كلام العرب أن تقول: هذه أربعة عشرك، وخمسة عشرك فتدعه مفتوحاً على قولك: هذه أربعة عشر، وخمسة عشر.
و قوم من العرب يقولون: هذه أربعة عشرك، ومررت بأربعة عشرك. وهم قليل، وله وجيهٌ من القياس: وهو أن ترده بالإضافة إلى الإعراب، كما أنك تقول: ذهب أمس بما فيه، وذهب أمسك بما فيه، وتقول: جئت من قبل يا فتى، فإذا أضفت قلت: من قبلك فهذا مذهبهم.
و إنما كان القياس المذهب الأول؛ لأن خمسة عشر نكرة. وما لم ترده النكرة إلى أصله لم ترده الإضافة.
أما أمس وقبل ونحوهما فمعارف. ولو جعلتهن نكرات لرجعن إلى الإعراب؛ كما رجعن إليه في الإضافة والألف واللام.
و على هذا قرئ: " لله الأمر من قبلٍ ومن بعد " على النكرة، على مثل قولك: أولاً وآخراً؛ ألا ترى أنك تقول في النداء: يا زيد أقبل. فإذا جعلته نكرة قلت: يا رجلاً أقبل، كما تقول: يا عبد الله فترده النكرة إلى الإعراب؛ كما ترده الإضافة؛ ألا تراك تقول: جاءني الخمسة عشر رجلاً، والخمس عشرة امرأة. فلو كانت الإضافة ترده إلى الإعراب لرددته الألف واللام. وإنما أجاز سيبويه الضم على بعدٍ.
فأما قولك: مررت بالقوم خمسة عشرهم، كما تقول: مررت بالقوم خمستهم. فغير جائز عندنا البتة؛ لأن ما بعد خمسة عشر إذا كان عدداً لم يكن إلا مفرداً؛ نحو: خمسة عشر رجلاً، ولم يكن إلا نكرة، وليس بمنزلة خمسة وستة وبابهما إلى العشر؛ وذلك أن الثلاثة إلى العشرة مضاف إلى المعرفة والنكرة. وعلى هذا لا نقول: أخذت عشرين درهماً وثلاثيه لأن الذي تبين به النوع لا يكون معرفةً مضمرةً ولا مظهرةً.
هذا باب
اشتقاقك للعدد اسم الفاعل
كقولك
هذا ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة
اعلم أنك إذا قلت: هذا ثاني اثنين، فمعنى هذا: أحد اثنين؛ كما قال الله عز وجل: " إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين " وقال: عز وجل: " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " على هذا: فإن قلت: هذا ثالث اثنين فعلى غير هذا الوجه. إنما معناه: هذا الذي جاء إلى اثنين فثلثهما فمعناه الفعل. وكذلك هذا رابع ثلاثة. ورابعٌ ثلاثةٌ يا فتى، لأن معناه: أنه ربعهم، وثلثهم. وعلى هذا قوله عز وجل: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم " . ومثله قوله عز وجل: " سيقولون ثلاثةٌ رابعهم كلبهم " .