العلة فيما وقع منه مختلفا
الجزء ١ · صفحة ٩١و اعلم أنه لا يجوز أن تقول: قومك نعموا رجالاً، كما تقول: قومك قاموا. ولا قومك بئسوا رجالاً، ولا أخواك بئسا رجلين، كما تقول: أخواك قاما؛ لأن نعم وبئس إنما تقعان مضمراً فيهما فاعلاهما قبل الذكر يفسرهما ما بعدهما من التمييز. ولو كانا مما يضمر فيه لخرجا إلى منهاج سائر الأفعال، ولم يكن فيهما من المعاني ما شرحناه في صدر الباب. فإنما موضعهما أن يقعا على مضمر يفسره ما بعده، أو على مرفوع بالألف واللام تعريف الجنس لما ذكرت لك.
و اعلم أنه لا يجوز أن تقول: زيدٌ نعم الرجل، والرجل غير زيد؛ لأن نعم الرجل خبر عن زيد. وليس بمنزلة قولك: زيد قام الرجل؛ لأن نعم الرجل محمود في الرجال؛ كما أنك إذا قلت: زيد فاره العبد لم يكن الفاره من العبيد إلا ما كان له، لولا ذلك لم يكن فارهٌ خبراً له.
و اعلم أنه ما كان مثل كرم زيدٌ، وشرف عمرو فإنما معناه في المدح معنى ما تعجبت منه نحو: ما أشرفه، ونحو ذلك أشرف به. وكذلك معنى نعم إذا أردت المدح، ومعنى بئس إذا أردت الذم. ومن ذلك قوله عز وجل: " ساء مثلاً القوم " ؛ كما تقول: نعم رجلاً أخوك، وكرم رجلاً عبد الله.
و اعلم أنك إذا قلت: نعم الرجل رجلاً زيد، فقولك: رجلاً توكيد: لأنه مستغنى عنه بذكر الرجل أولاً. وإنما هذا بمنزلة قولك: عندي من الدراهم عشرون درهماً. إنما ذكرت الدرهم توكيداً، ولو لم تذكره لم تحتج إليه. وعلى هذا قول الشاعر:
تزود مثل زاد أبيك فينا … فنعم الزاد زاد أبيك زادا
فأما قولك: حسبك به رجلاً، وويحه رجلاً، وما أشبهه فإن هذا لا يكون إلا على مذكور قد تقدم. وكذلك: كفى به فارساً، وأبرحت فارساً. قال الشاعر:
و مرة يرميهم إذا ما تبددوا … و يطعنهم شزراً فأبرحت فارسا
على معنى التعجب: فأما قولهم: ما رأيت كاليوم رجلاً، فالمعنى: ما رأيت مثل رجلٍ أراه اليوم رجلاً، أي: ما رأيت مثله في الرجال. ولكنه. حذف لكثرة استعمالهم له، وأن فيه دليلاً؛ كما قالوا: لا عليك؛ أي: لا بأس عليك، وكما قالوا: افعل هذا إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره. فما زائدة، والتقدير: إن لا تفعل غير هذا فافعل هذا. وكذلك قولهم: عندي درهم ليس غير وليس إلا.
و أما قوله:
يا صاحبي دنا المسير فسيرا … لا كالعشية زائراً ومزورا
فعلى إضمار فعلٍ كأنه قال: لا أرى كالعشية أي كواحد أراه العشية؛ لأن الزائر والمزور ليسا بالعشية فيكون بمنزلة: لا كزيد رجلاً.
هذا باب
العدد وتفسير وجوهه
العلة فيما وقع منه مختلفاً
اعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان: الأولى منهما: حرف اللين والمد، وهي الألف في الرفع، والياء في الجر والنصب.
و الزائدة الثانية: النون، وحركتها الكسر، وكان حقها أن تكون ساكنة ولكنها حركت لالتقاء الساكنين، وكسرت على حقيقة ما يقع في الساكنين إذا التقيا. وذلك قولك: هما المسلمان. ورأيت المسلمين.
فأما سيبويه فيزعم أن الألف حرف الإعراب، وكذلك الياء في الخفض والنصب.
و كان الجرمي يزعم أن الألف حرف الإعراب؛ كما قال سيبويه، وكان يزعم أن انقلابها هو الإعراب.
و كان غيرهما يزعم أن الألف والياء هما الإعراب. فإذا قيل له: فأين حرف الإعراب؟ قال: إنما يكون الإعراب في الحرف إذا كان حركة. فأما إذا كان حرفاً قام بنفسه.
و القول الذي نختاره، ونزعم أنه لا يجوز غيره قول أبي الحسن الأخفش؛ وذلك أنه يزعم أن الألف إن كانت حرف إعراب فينبغي أن يكون فيها إعراب هو غيرها؛ كما كان في الدال من زيد، ونحوها، ولكنها دليل على الإعراب؛ لأنه لا يكون حرف إعراب ولا إعراب فيه، ولا يكون إعراب إلا في حرف.
و يقال لأبي عمر: إذا زعمت أن الألف حرف إعراب، وأن انقلابها هو الإعراب فقد لزمك في ذلك شيئان: أحدهما: أنك تزعم أن الإعراب معنى، وليس بلفظ، فهذا خلاف ما أعطيته في الواحد.
و الشيء الآخر: أنك تعلم أن أول أحوال الاسم الرفع. فأول ما وقعت التثنية وقعت والألف فيها، فقد وجب ألا يكون فيها في موضع الرفع إعراب؛ لأنه لا انقلاب معها.