إضافة العدد واختلاف النحويين فيه
الجزء ١ · صفحة ٩٦و قد قرأ بعض القراء بالإضافة فقال: ثلاث مائة سنين وهذا خطأ في الكلام غير جائز. وإنما يجوز مثله في الشعر للضرورة، وجوازه في الشعر أنا نحمله على المعنى؛ لأنه في المعنى جماعة وقد جاز في الشعر أن تفرد وأنت تريد الجماعة إذا كان في الكلام دليل على الجمع فمن ذلك قوله:
كلوا في نصف بطنكم تعيشوا … فإن زمانكم زمنٌ خميص
و قال آخر:
إن تقتلوا اليوم فقد سبينا … في حلقكم عظمٌ وقد شجينا
و ينشد: شربنا.
و قال علقمة بن عبدة:
بها جيف الحسرى فأما عظامها … فبيضٌ وأما جلدها فصليب
و أما قوله عز وجل: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم " فليس من هذا؛ لأن السمع مصدر، والمصدر يقع للواحد والجمع.
و كذلك قول الشاعر، وهو جرير:
إن العيون التي في طرفها مرضٌ … قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
لأن الطرف مصدر. وأما قول الله عز وجل: " ثم يخرجكم طفلاً " وقوله: " فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً " فإنه أفرد هذا، لأن مخرجهما مخرج التمييز؛ كما تقول: زيد أحسن الناس ثوباً، وأفره الناس مركباً. وإنه ليحسن ثوباً، ويكثر أمةً وعبداً. وقد قالوا في قول العباس بن مرداس قولين وهو:
فقلنا: أسلموا إنا أخوكم … فقد برئت من الإحن الصدور
فقال بعضهم: أراد: إنا إخوتكم، فوضع الواحد موضع الجميع، كما قال: في حلقكم أي في حلوقكم.
و قال آخرون: لفظه لفظ الجمع من قولك: أخ وأخون، ثم تحذف النون وأضاف؛ كما تقول: مسلموكم وصالحوكم. وتقول على ذلك: أب وأبون، وأخ وأخون؛ كما قال الشاعر:
فلما تبين أصواتنا … بكين وفديننا بالأبينا
و قال الآخر:
وكان لنا فزارة عم سوءٍ … و كنت له كشر بني الأخينا
هذا باب
إضافة العدد واختلاف النحويين فيه
اعلم أن قوماً يقولون: أخذت الثلاثة الدراهم يا فتى، وأخذت الخمسة عشر الدرهم. وبعضهم يقول: أخذت الخمسة العشر الدرهم، وأخذت العشرين الدرهم التي تعرف. وهذا كله خطأ فاحش.
و علة من يقول هذا الاعتلال بالرواية، لا أنه يصيب له في قياس العربية نظيراً.
و مما يبطل هذا القول أن الرواية عن العرب الفصحاء خلافه. فروايةٌ برواية. والقياس حاكمٌ بعد أنه لا يضاف ما فيه الألف واللام من غير الأسماء المشتقة من الأفعال. لا يجوز أن تقول: جاءني الغلام زيدٍ؛ لأن الغلام معرفٌ بالإضافة. وكذلك لا تقول: هذه الدار عبد الله، ولا أخذت الثوب زيدٍ.
و قد اجتمع النحويون على أن هذا لا يجوز، وإجماعهم حجةٌ على من خالفه منهم. فعلى هذا تقول: هذه ثلاثة أبوابٍ؛ كما تقول: هذا صاحب ثوبٍ. فإن أردت التعريف قلت: هذه ثلاثة الأثواب، كما تقول: هذا صاحب الأثواب؛ لأن المضاف إنما يعرفه ما يضاف إليه فيستحيل هذه الثلاثة الأثواب؛ كما يستحيل هذا الصاحب الأثواب. وهذا محال في كل وجه، ألا ترى أن ذا الرمة لما أراد التعريف قال:
أمنزلتي ميٍ سلامٌ عليكما … هل الأزمن اللائي مضين رواجع
و هل يرجع التسليم أو يدفع البكا … ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع
و قال الفرزدق:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره … و دنا فأدرك خمسة الأشبار
فهذا لا يجوز غيره.
و أما قولهم: الخمسة العشر فيستحيل من غير هذا الوجه، لأن خمسة عشر بمنزلة حضرموت وبعلبك وقالي قلا وأيدي سبا، وما أشبه ذلك من الاسمين اللذين يجعلان اسماً واحداً.
فإذا كان شيء من ذلك نكرة فإن تعريفه أن تجعل الألف واللام في أوله. لأن الثاني قد صار في درج الكلام الأول، فهذا أقبح وأشنع.