رأي الإمامين مالك وأحمد في خبر الآحاد
الجزء ١ · صفحة ٨رأي الإمامين مالك وأحمد في خبر الآحاد
أما الإمام مالك فإن مذهبه تقديم عمل أهل المدينة على الحديث الآحادي كما هو مشهور عنه عند أهل مذهبه وغيرهم.
قال القاضي عياض في (ترتيب المدارك) ج1 ص66 باب ما جاء عن السلف والعلماء في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة:
( … وكونه حجة عندهم وإن خالف الأكثر ) إلى أن قال: (قال ابن القاسم وابن وهب رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث) اهـ. أي حديث الآحاد.
فلو كان خبر الواحد يفيد عنده القطع كالمتواتر لما قدم عليه عملا ولا غيره ، إذ المقطوع به لا يعارض بالمظنون ، ولا يمكن أن يتعارض مع مقطوع به ، ولا يمكن الجمع بينهما كما هو مقرر في أصول الفقه ، وهذا ظاهر جلي.
بل ثبت عن الإمام مالك أنه كان يرد كثيرا من الأحاديث الآحادية بمجرد مخالفتها لبعض القواعد الكلية أو لبعض الأدلة العامة ، قال الإمام الشاطبي في (الموافقات) ج3 ص 21-23: ألا ترى إلى قوله في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا (جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته ) وكان يضعفه ويقول: (يؤكل صيده فكيف يكره لعابه) ، وإلى هذا المعنى قد يرجع قوله في حديث خيار المجلس حيث قال بعد أن ذكره: ( وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به) فيه إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة ، ولو شرط أحد الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعا ، فكيف يثبت بالشرع حكم لا يجوز شرطا بالشرع ، فقد رجع إلى أصل إجماعي ، وأيضا فإن قاعدة الغرر والجهالة قطعية وهي تعارض هذا الحديث الظني ، إلى أن قال: ( ومن ذلك أن مالكا أهمل اعتبار حديث (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)) ، وقوله: ((أرأيت لو كان على أبيك دين …الحديث)) لمنافاته للأصل القرآني الكلي نحو {﴿ ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان ما سعى ﴾} (النجم 38-39) كما اعتبرته عائشة في حديث ابن عمر.