مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

07 حريزي - فصل في الفصل

الجزء ٨ · صفحة ١٠٣

وكان مرداس قد شهد صفين مع علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وأنكر التحكيم، وشهد النهروان، وكان فيمن نجا، فلما خرج من حبس ابن زياد، رأى جِدَّ ابن زياد في طلب الشراة، عزم على الخروج أي: (الشراء)، فقال لأصحابه: إنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفضل، والله عن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف، وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا، فاجتمع إليه أصحابه … فولوا أمرهم مرداسا، فلما مضى أصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصاري … قال: لا تَخَف، فإني لا أجرد سيفا، ولا أخيف أحدا، ولا أقاتل إلا من قاتلني، ثم مضى حتى نزل بآسك، فمر به مال يُحمَل لابن زياد، وقد قارب أصحابه الأربعين، فحط ذلك المال، فأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه، ورد الباقي على الرسل، وقال: قولوا لصاحبكم (أي: لابن زياد)، إنما قبضنا أعطياتنا، فقال بعض أصحابه: فعلام ندع الباقي؟ فقال: إنهم يقسمون هذا الفيء، كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم … " (الكامل/ ج2/ ص: 130).

وقد أكد عدم قتال المسلمين في عدة مواقف منها ما رواه المبرد كذلك: " … فقال لأخي: أجئتم لقتالنا؟ فقال له: لا، إنما نريد خرسان، قال: فأبلغوا من لقيتم، إنا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا لنروِّع أحدا، ولكن هربا من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من قاتلنا، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا، … " (ج2/ ص: 131).

وكان عبد الله بن إباض ــــ بعد مرداس ـــــ من القعدة، وليس من الشراة، وهم لا يقاتلون إلا من قاتلهم، على مبدإ النص القرآني والسني، وابن إباض اتخذ ذلك المبدأ دينا مع قعوده، فكيف يكون نص ابن جرير الطبري وابن الأثير، ومن نقل عنهم أن يكون صادقا أو معبرا عن ابن إباض؟ وعليه فالمذهب الإباضي من جذوره الإيمانية الأولى لا يستحل إطلاقا دماء المسلمين، كما زعم الطبري وابن الأثير توهُّما.

وأمر تحريم دماء المسلمين قديم من عهد أبي بلال، وعهد ابن إباض، والمشهور بقعوده، ورفضه

١٠٣ / ٣١٤