07 حريزي - فصل في الفصل
الجزء ٨ · صفحة ١١٤إن الأحنف بن قيس على علم تام بالأحداث ودوافعها من جميع الأطراف، وقد كتبت عائشة كما ذكر ابن الأثير في كامله (ت: 630هـ) "إلى رجال من أهبل البصرة وإلى الأحنف بن قيس وصبرة بن شيمان وأمثالهم، وأقامت بالحفير تنتظر الجواب" (الكامل/ ج3/ ص: 107).
ولم يستجب الأحنف بن قيس لها، بل ترك الجواب لغيره، حيث أنه اختار الحياد والقعود كما مر ذكره، وامتنع عن المشاركة في الاقتتال وسفك دماء المسلمين لأمور دنيوية، كما ذكر أبو موسى الأشعري (ت: 44هـ/ 665م) للكوفيين حينما استشاروه في الخروج والانتصار، كما ذكر ابن الأثير: فقالوا: ما ترى في الخروج؟ فقال: كان الرأي بالأمس ليس اليوم [أي: يوم الدار، فتنة عثمان]، إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جرّ عليكم ما ترون؛ إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة، والخروج سبيل الدنيا فاختاروا، فلم ينفر إليه أحد … " أي إلى محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر (الكامل/ ج3/ ص: 116).
ومن كلامه السابق وما يلي يظهر أن أبا موسى الأشعري كان معترضا على كل شيء، وقد خطب نفرا آخرين فيهم الأشتر وابن عباس، فقال: "أيها الناس إن أصحاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - الذين صحبوه أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه، وإن لكم علينا لحقاًّ، وأنا مؤد إليكم نصيحة، كان الرأي أن لا تستخفوا بسلطان الله، وأن لا تجترئوا على الله، وأن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى يجتمعوا، فهم اعلم بمن تصلح له الأمانة، وهذه فتنة صماء؛ النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، والراكب خير من الساعي، فكونوا جرثومة (أي: من الشيء أصله، أو هو التراب المتجمع في أصول الشجر) من جراثيم العرب، فاغمدوا السيوف، وانصلوا السنة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي الفتنة" (الكامل/ ج3/ ص: 116).
"وإن هذا الرأي هو الرأي الحصيف في الموضوع، ولو كان أولوا النهى امتثلوا به، ولما قتل في هذه الواقعة المنكرة عشر آلاف من شجعان المسلمين بينهم كثير من أعلامهم … "